(1)
أتذكر يوم 23 سبتمبر، كان الأمر شبيها بمحاولةٍ شاذةٍ لجعل اللحظة قابلة للإستمرار لحظة أخرى.
كنت وصلت منذ نحو ساعة إلى بيت خالتي في (حيّ رمضان) بكربلاء بعد أن قطعت راجلاً الطريق الذي يمتد قرابة ألفي مترٍ ويقسم حيّ المعلمين إلى نصفين متساويين مروراً بمصنع كبس التمور بجدارهِ المديد المرتفع والذي حدستُ ولسنواتٍ إنه لا نهائيّ.
كان منيعاً أيضا وقابلاً للاستطالة في البرهة التي كنت أوشك دائما على التخلّص من امتداداته الشاسعة، كانت الأشياء بطيئة بلا ريب والزمن لا يتّسع ولا يفيض على نفسه.
ثم اسلك طريق (حيّ التعليب) قبل أن أصل البيت الذي عمل على تعميره ثلاثة أجيال من البنّائين المهرة.
دخلتُ البيتَ من باحتِه الخارجية أوّل الأمر، كانت غرساته المتاخمة لنافذة الصالة تمدّ أعناقها الهزيلة صوب حلفاء المبرّدة1 لتتقاسم الهواء البارد مع عائلة خالتي التي افترشت مساحة الصالة في يوم ايلوليٍّ قائظ.
فتحتُ البابَ ببطءٍ، بيْدَ أن صريره الخافت والذي حرصتُ أن لا يسمعه أحد كان كافياً لتشرئب مجموعة من الأعناق الخدرة لتتعرّف على هوية القادم.
نهضت خالتي على عجلٍ وقادتني إلى غرفةِ ابنها البكر (جبار) وبعد دقائق تبعها أصغر ابنائها (حسين) وكان بعمري، مكث كما يفعل في كلّ مرة واقفاً لدقائق وهو يبتسم ولا يكاد ينبس بشيءٍ، سألتني عن أمي وعن أحوالنا في البيت وأنا أجيبها باقتضاب متوسّلاً إليها بعينيّ أن تنتهي سريعا، أما حسين فبدأ يصعد سلّم القرميد بسرعة ويهبط بالسرعة ذاتها محدثاً جلبةً جعلت خالتي تقف من فورها، وكانت تلك علامةٌ على بدء سباقٍ غير منصفٍ بيني وبين حسين لنصعدَ إلى سطح البيت.
ركض حسين على الدرج الذي ينتصب عموديّاً على نحو كان يجعلني أبدو في محاولةٍ لتسلّقه وليس لصعوده، فلقد كنت أستعمل يديّ وقدميّ في الوقت ذاته.
لقد رافقني هذا الدرج العموديّ حتى اليوم، إذ بين وقت وآخر يظهر في أحلامي بعمودّيته ذاتها وبمحاولاتي اليائسة التي تأخذ في مناماتي بُعداً تراجيدياً مُضاعفاً.
وقف حسين في البيتونة (بيت السلّم) ومدّ يده في محاولةٍ لانتشالي. كنت أشعر بالخزيّ كلما رأيتُ يده ممدودةً باستقامةٍ مبالغٍ فيها، فلقد كنت أكبره بشهرين كاملين ولطالما كان الشهران يمنحاني الأفضليّة في أشياء جمّة، فمثلا لا يمكنه أن يشرع بالحديث (أي حديث) قبل أن أبدأ أولا، فسيجد من ينهره بقوّةٍ، فانا أكبر منه والأهم من ذلك أنني (علويّ هاشميّ)، كانت جملة (دع السيد يتكلم أوّلاً) تجعله يقبل بخذلانه أو يصالح الفكرة برمّتها.
وهكذا وجدتني على السطح في مواجهة أقنان الحمام بأسمائه الغامضة ( العرفلي، أبو قنزوعة، البغدادي، الرواعب، المسكي).
دخلنا الأقنان من بابها المصنوع من سعف النخل وأغلقناه خلفنا بحرصٍ حتى لا يستيقظ (سعيد) الأخ الأكبر لحسين، وصاحب الأقنان وأحد أكبر مقتني الحمام والعارفين بسلالاتها وأنسابها وأصولها.
كان خبيرا على النحو الذي يجعله محفوفاً طوال الوقت بحلقةٍ واسعة من (المطيّرجية) وهو اسم يُطلق على مقتني الحمام ومورّديه كلما قصد مقهى حيّ رمضان أو مقاهي (الولاية) وهي تسمية تُطلق على مركز المدينة بكربلاء القديمة.
كان سعيد يمتلك القول الفصل بكل ما يرتبط بأصولِ هذه المهنةِ والنزاعات التي تنشب وهي كثيرة ويدركها كل من عرفها عن قربٍ، ففي أحيانٍ ليست قليلة كانت تنتهي بموتِ أحد المتخاصمين. ومازالت الذاكرةُ الشعبية تحتفظ بقصصهم وبالكثير من الأفعال التي تتحوّل إلى بسالاتٍ كبيرةٍ عندما تتم استعادتها بعد سنوات على وقوعها.
قادني أول الأمر عبر الأقنان التي تتصل ببعضها عبر ممرٍّ ضيّق إلى أمكنةِ وضع البيض والسلالات الجديدة من الأمهات وفراخهنّ، كانت حزمٌ كبيرة من الغرغرة والهديل تصلنا بانتظام وتتكاثف كلما لمسنا البيوض أو ملسنا على الفراخ المزغبة.
(2)
كنتُ أشعر بلذةٍ عندما تنحدر يدي بشكلٍ قوسيّ على الزغب الزيتيّ بينما تشبك أناملها الدقيقة على أطراف اصابعي وتدفع نفسها خلل صرخاتها القصيرة الحادة إلى القنّ.
بدا حسين قلقاً ومُستفَزاً وصارت نبرته جديّةً بما يكفي لأحدس أنه تخلّص من عقدة الشهرين وقال بصوتٍ ثابت: اترك الفراخ وبيوضهنّ لأن سعيد يعرف ما نفعله الآن ولا يرضى حتى لأبي أن يلمس فرخاً، لأنها قد تموت من مجرد النظر إليها.
يا إلهي.. لم يكن بوسعي أن أدرك الأمر بالصورة التي قالها حسين:
الفراخ تموت من فرط النظر إليها؟
فكّرت حينها أن النظرة تأخذ هيئة غلالة رقيقةٍ أو أخاديد دقيقة تحفر الفراغ في طريقها إلى الفراخ ثم تدخل من فتحة المنخرين في جذر منقارها وتهبط إلى أحشائها فتجهز عليها.
أو تدخل في مسامها وفي زغبها الذي سيتطاير كنباتات النفّاش حتى تتحوّل إلى كتلة ضئيلة من اللحم الكامد.
عبرنا إلى ممر الرواعب والبغداديّ، سألت حسين إن كان بوسعي إمساك البغداديّ من ريش ساقيه الذي يتحدّر حتى يفيض على الأرض.
قال من غير أن يتطلّع إليّ: كل شيءٍ صار ممكناً ما دمنا خارج أقنان الفراخ.
كان تأكيده كافياً لانتزاع البغداديات من أوكارهنّ، فصرتُ أفرشهنّ في هيئة دائرية حولي بينما خفق أجنحتهنّ أخذ يحفّ ذراعيّ النحيلتين ووجهي حتى شعرت لوهلةٍ بالصمم، تطلّعت حولي، كان حسين يعبث بقنزعة حمامة ويفتلها لتنتصب فوق رأسها بطريقةٍ مضحكة.
لم أعد اسمع سوى تعاقب موجات من الخفق والهديل التحما ببعضهما حتى صارا مثل صيحةٍ مديدة.
خرجتُ زاحفا من ممرّ البغداديات عبر ممر الرواعب حتى بلغت باب الأقنان، فتحته على عجلٍ وألقيتُ بنفسي على الأرض، فتحت عينيّ على وجه سعيد الذي بادرني سريعاً:
ـ هل أنت بخير؟، هل تعرف أمك بوجودك هنا؟.
كان وجهه محايداً ولا يمنح شعوراً بالغضب أو السخط من القبض علينا متلبّسين بالتسلّل والعبث في أقنانه وسلالات حمامه النفيسة. كان يبدو مهجوساً بأمرٍ أكبر من كل ممرات الرواعب والمسكيّ والبصريّ والأورفليّ. كان أكبر من الأخاديد التي حفرتها نظراتنا في الزغب الزيتيّ.
قال باقتضاب وبصوت متردّدٍ قليلاً:
ـ حسين خذ السيّد واشتري له شيئاً من الخارج.
هبط حسين الدرج دون أن يبطيء خطواته أو ينظر إلى موضع قدميه، بينما وقفتُ في الأعلى متطلّعا صوب انحداره العريق.
كان حسين ينظر إليّ مشكّكاً بكل يوم من الشهرين اللذين يفصلان ولادتينا، وقال بلهجةٍ مستنكرة:
ـ إنزلْ، تمسّك بالحائط ولا تنظرْ إلى الأسفل.
كانت نصيحته تدفعني إلى كراهيته بقوةٍ لا يدركها إلا مَنْ وقف في أعلى درج بيت خالتي أم جبار وشاهد ابنها حسين يهبطه مغمضا عينيه وهو ينشد:
غزالة غزلوكي
بالمايْ دعبلوكي
قاعدة على الشط
قاعدة تمشّط
إجاها نومي
قاللْها قومي
ثمّ يلتفتُ نحوي ويكرّر: قومي، قومي، وهو يلاعب حاجبيه ويحتفظ بابتسامةٍ ملغزةٍ في زاوية فمه لا يدعها تفلت إلاّ بعد أن أمسك بالجدار وأشرع بهبوط أوّل سلّمةٍ، ومع كل سلّمةٍ كنت أسمعه يردّد بلا انقطاع: بالمايْ دعبلوكي، بالماي دعبلوكي.
ألصقتُ وجهي على الحائط وبدأت أهبط، كان ما يحدث شبيها بعبور برازخ غليظةٍ منحها الرعب كثافة إضافية وركّزها في نقطة واحدة.
لم يكن ينقذني من هذه الكثافات سوى محمد الأخ الأكبر لحسين وسعيد عندما يقف في الأسفل وبابتسامة ليست ملغزة ولا تسقط من زاوية فمه يقول:
ـ توكّل واقفز سيدنا.
عندها لا أتردد في حفر الهواء نحو ذراعيه المديدتين اللتين تتلقّفانني ببراعة وتلوّحان بي قريبا من السقف قبل أن أجد نفسي وقد تخلّصت بقفزة واحدة من كل تلك الكثافات المركّزة التي تجعل في صورتها الجديدة حسين يتحوّل من منشدٍ في جوق، إلى طفل عاجز عن مواجهة ما يراه، ونكاية به يعمد محمد إلى تحديه في القيام بقفزة مشابهة، لكنه يتسلّل خارجا متبوعا بي إلى حديقة المنزل أو الشارع المقابل.
(3)
في تلك اللحظة لم أكن محتاجا إلى المشي على رؤوس أصابعي حتى لا أوقظ زوج خالتي الذي كان اسمه الأسطوريّ نقيضا لسكونه الفراتيّ العريق، إنه صيهود، يا له من اسم، كنت أفكّر أن اسمه فحسب ما يجعله يقوم بأفعال فريدة لا يحسنها غيره، فلقد كان يدخّن تبغا يقوم بغرسه وقطفه وتجفيفه بنفسه ويدّعي أنه من سلالة لم تعد معروفة، ثم يصنع غلايينه من الطين ويفخرها بطرقٍ بدائية، ويضع وسادةً على بطنه الضامر من وضع الجلوس ثم يطوي جذعه عليها ويشرع بالتدخين.
تطلّعتُ إلى الجميع في الصالة حيث كانوا ينصتون بوجومٍ إلى التلفاز محدّقين بوجه المذيع الذي اكتسبتْ ملامحه جديّةً مفاجئةً وصراخا طارئاً، كان البيان رقم واحد الذي أرّخ لبدء الحرب وأعلن قيام القوات العراقية بفعاليات عسكرية مضادّةٍ ضد إيران.
كانت خالتي تبكي بصوتٍ خافتٍ، أمّا زوجها صيهود فلقد بالغ بإحناء جذعه على الوسادة حتى أوشكت جبهته على ملامسة الأرض، سعيد ومحمد جلسا ملتصقين ببعضهما، تتقدّمها ناجحة الجميلة التي تكبرني بثلاث سنوات ومديحة التي تصغرني بعامين.
تسمّرنا في منتصف الصالة في محاولةٍ يائسةٍ لفهم هذا الرجل الذي اكتشفنا بغتةً أنه قادرٌ على الصراخ بمثل هذه النبرة الموتورة وجعل صيهود منصتاً ومحدقاً في الفراغ الذي يفصله عن خالتي كما لو يعمل على ضغطه وتكثيفه في نقطة واحدةٍ ليعبره إليها.
خالتي (فخاري) المرأة التي لا تكفّ عن تذكيرنا من أنها قاتلت بالفالة والمنجل والبرنو في شطّ ملّة وطويريج في تلك الأيام التي صعد فيها المدّ القومي بعد الإجهاز على الجمهوريّة الأولى، كانت منكفئةً ومكلومةً بقوةٍ غامضة، قوّةٍ كانت كافية لتجعلها تتخلّى عن صرامتها الفادحة وملامحها الدقيقة القاسية.
تطلّع سعيد بوجهي وقال بصوت خفيضٍ حرص على أن لا يتناهى إلى سمع فخاري، فلقد كانت في حالتها تلك قادرة على التقاط كلّ نأمة تصدر من التلفاز أو خارجه:
ـ اندلعت الحرب مع ايران، وأخي جبار مازال في وحدته العسكرية.
وأخذ ينقّل عينيه بين وجهينا أنا وحسين، كان يريد أن يدرك تأثير كلماته علينا، خصوصاً وإنه أطلقها بجديةٍ ويأسٍ وبعيداً عن الحمام الذي يعرف عنه أضعاف ما يعرفه عن أخيه جبار.
للحظةٍ شعرتُ أن الأمر برمته لم يكن شبيهاً بجنس تلك النكات التي يطلقها سعيد و التي يستمدها من الحمام وحالاته. كان الامر حقيقياً تماماً، ولفرط جديته جلستُ إلى جانبه في هيئةٍ طقوسيّةٍ واجمةٍ ومتفكّرةٍ.
التصقنا ببعضنا بطريقةٍ جعلتنا نبدو ملتحمين بالحرب
كنا في البرهة تلك من بعضها، وربما حدست مع صراخ المذيع الهستيريّ أن شظيّةً لا مرئية ستخرج من مكان غير متوقّعٍ وتحرق وسادة صيهود ليسقط رأسه على الأرض مبتلعاً غليونه الطينيّ.
تفرّست خالتي بي وبحسين للمرة الأولى منذ دخولنا إلى الصالة واختلط صوتها بأصوات أناشيد عسكرية بزغت فجأة من التلفاز وقالت وهي تحاول أن ترتدّ إلى صورتها القديمة بصرامتها وسحنتها اليابسة: أذهبا خارجا ولا تبتعدا كثيرا.
خرج حسين أول الأمر من غير ان يلتفت وتبعته وأنا افكّر بتلك الشظية اللامرئية وما بوسعها أن تفعله في صالة تتنافذ فيها أصوات البيانات المتلاحقة وأناشيد الحرب ونحيب ناجحة الجميلة الذي أخذ بعدا تراجيديا جعل الشظيّة لا تضلّ طريقها إلى بدني.
الآن فقط بدأت الحرب
خرجنا إلى الشارع ونحن نجسّ الأرض، فالحرب كائنٌ مخادعٌ تنظر إليه من ثقب الباب، ولكنه قد يندلع فيك.
لاحقنا المذيع صارخاً وناشجاً حتى الباب الخارجيّ، فربّما ستقرّر الحرب في أيّة لحظة أن تتنصّل من (سيف سعد، وزين القوس) وتندلع في بيت فخاري وصيهود.
إنه أمر قد يحدث وليس بوسع أحد أن يمنعه أو يؤخره، الحرب هي التي تختار البرهة التي تقع فيها وتختار ضحاياها أيضا وربما وبقليلٍ من الصبر الرواقيّ سيكون بوسعها أن ترى ما تريد، وبالطبع كنت أحدس أنها في يوم 23 سبتمبر كانت تريدني تحديداً، فلقد أبصرتني، ولا يمكن لها أن تنحرف ببصرها ولو قليلاً عنّي.
(4)
كان الشارعُ هادئاً ولنحوِ نصف ساعةٍ لم نر أحداً، كنّا نجوب الساحة التي تفصل المنزل عن دكان (أبو صالح) وكان الحرّ لا يزال لاهباً ولقد منحته الحرب مجّانيتها وطريقتها الفريدة في جعلنا مشدودين إليها بقوّة العبث وانفراط حواسنا.
دخل حسين إلى باحةِ البيتِ ولم يحتج إلى وقتٍ طويلٍ ليعودَ بدراجة سعيد الهوائية من قرنيها، لم أكن تعلمت قيادتها بعد، ولطالما كنت مأخوذاً بجارنا الضئيل (رضا) وهو يقود دراجة أبيه ببراعةٍ فائقةٍ، فلقد كانت مرتفعةً على النحو الذي يجعله لا يقتعد سرجها، بل يجعل مؤخرته على شاخصها الحديديّ ويحرّك عتلاتها حركةً غير تامةٍ حتى يرتفع موضع القدم بعد كل ضغطةٍ لتتلقّف قدمه الأخرى العتلة التي تكون قد ارتفعت لتوّها، وتستمرّ حركته بوتيرةٍ متصاعدةٍ ليمكث رضا الضئيل معلّقا على قضبانها مثل ضحيّة عيد الأضحى في دكان الجزّار عاشور، ولكنها ضحيّةٌ حيّة من لحمٍ حقيقيّ يتحرّك وينتقل من مكانٍ إلى آخر بلسانٍ مندلعٍ وأخاديد عميقةٍ في وجهه حفرتها قوّة البهجة.
قاد حسين الدراجة مفاخراً ومن غير توقّفٍ إلى دكان أبو صالح وهو يصرخ:
غزالة غزّلوكي
بالماي دعبلوكي
قاعدة على الشط
كان يعرف أن افعاله هذه تجعلني لا أتردّد بقبول تحدياته كلها، امتطيتُ الدراجة وتشبثتُ بمقودها كما لو كان مكافأة غير متوقعةٍ، وصار هو يدفعني من الخلف وأنا لا أكاد أعرف كيف أوجّهها، وكنت كلما سقطت انتصبتُ على الفور لأسقط ثانيةً، وقبل مغيب الشّمس كنت ذبيحةً مدمّاة ومدلّاة من دكان الجزّار عاشور، انسلخ اللحم عن مرفقيّ وركبتيّ وحتى كتفيّ احتكا لمرّاتٍ بالجدران، ولكنني في نهاية الأمر قدتُ الدرّاجة وتحكّمت بقرنيها دون مساعدةٍ من حسين، وما أن بلغتُ محل أبو صالح حتى صرختُ:
غزالة غزلوكي
بالماي دعبلوكي
قاعدة على الشطّ
قاعدة تمشّط.
كانت حرباً من نوعٍ لا نعرفه إلا عندما نكون في العاشرة، حرباً من غير بيانٍ أولٍ أو ثانٍ، ولا أغانٍ مرتجلةٍ، حرباً لن نكون مضطرّين إلى تأكيد أنّ ضحاياها بدأوا يصلون ملفوفين بالعلم العراقي ويطوفون بهم ضريحيّ الإمامين الحسين والعباس إبنا الإمام علي بن أبي طالب، حربا، نَصِفُها بكثيرٍ من الحكمة وقليلٍ من النعوتِ التي تجعلها طارئةً ولا تدوم أكثر من إنسلاخ اللحم عن المرفقين والركبتين.
(5)
في ذلك اليوم بدأت الحرب
سبق إعلان الحربِ حربٌ أخرى غير منظورةٍ، حربٌ ترى الأشياء بعينٍ واحدةٍ كبيرة وتدفع إليها بأقدار الرجال ومصائرهم.
تبدأ الحرب حين تجد الرجل متوجّساً وكثيفاً.
تبدأ الحرب حين يبدأ السواد.
تبدأ الحرب حين لا تجد من يشير إلى شيءٍ ويقصده. تبدأ الحرب حين يشير الرجل إلى أشياء جمّة ولا يبلغ شيئا منها. تبدأ الحرب حين يفرّغ الصواب نفسه ولا يمكث فيه ما يمكن أن يكون حقيقيّاً أو واضحاً على أقلّ تقديرٍ، وحين تفرّغُ الشوارع والبيوت نفسها من حركة الرجال وحضورهم المديد.
بدأت الحربُ عندما أهمل سعيد حماماته وصار يتوجّس خيفة أن يرسبَ في دراسته الإعدادية لأن ذلك يعني تسويقه إلى الحرب. بدأت الحرب حين تخلّى عن أورفلياته ورواعبه وبغدادياته، وحين لم يبق سوى أجيال من الذرق الممزوج بالزغب وحبوب الدّخن وجريش الحنطة.
ولكنها لم تبدأ أبدا ولن تعلن عن بشاعتها كما فعلت حين قُتل جبار ابن خالتي وطافوا ببقاياه ضريحيّ الإمامين بكربلاء. رفضتْ فخاري استلام الجثّة وأكّدت أنها لرجلٍ آخرفجبّار بقامته الفارعة لا يمكن أن يكون ضئيلاً على هذا النحو. وفعل صيهود الأمر ذاته، ولكنه لم يصرخْ ويحفر أخاديد عميقةٍ في جبهته وخدّيه كما فعلت فخاري، ولم يصعد إلى بيت الأقنان ويمكث فيه أسبوعاً كاملاً كما فعل سعيد، ولم يقبل الأمر بسرعةٍ كما فعل محمد، ولم يفقد القدرة على النطق كما حدث مع ناجحة الجميلة، بل تفرّس في بقايا رجلٍ ضرّست الحربُ جسده واحتفظتْ بثلثيه، وقال ببطءٍ: ابحثوا عن عائلةٍ أخرى لهذا الفتى.
كان الجنديّ الذي رافق الجثّة من الوحدة العسكريّة لا يزال ينتحب أمام الباب الخارجيّ وهو لا يكفّ عن تأكيد أنها تعودُ لجبّار ولقد بذل مع جنديين آخرين الكثير من الجهد حتى لا تتفحّم بكاملها داخل الدبابة، ثمّ شمّر عن ذراعيه ليروا إلى آثار حروق حديثة، ومزّق قميصه ليروا امتدادها من بطنه وخاصرته وصولاً إلى إبطيه.
قبلتْ فخاري الأمر وهي تصرّ أنها ليست لإبنها، ولكنها فعلت ذلك من أجل الفتى الذي أصبح بلا عائلةٍ، ولن يجد أفضل من عائلة صيهود لتكريم ميتته الفادحة.
(6)
لا أتذكّر الكثير عن جبّار، فلقد كان بلا أصدقاء تقريباً، ولفرط عزلته قال عنه أحد أصدقائه القليلين: لم يعلن جبار في حياته عن نفسه قطّ كما فعل في موته.
لم يكن موتاً بل تسجيل حضورٍ لأول مرّةٍ، إذ لا أحد يريد تصديق أن هذه البقايا المتفحّمة تعود إليه حقّاً.
استمرّ الأمر لسنواتٍ طويلة على وفاته وهو ما جعل فخاري تكابد انتظاراتٍ شاقّةً.
لم تكن حرباً واحدةً فحسب، كنتُ أشعر أنها تضمر في جسمها الذي صار يدّخر القتلى والمعاقين والمفقودين حروباً أخرى، كتلك التي نشعر بها عندما نسمع بمقتل أحدٍ ممن عرفناهم ذات يومٍ، أو حتى أولئك الذين لم نعرفهم بل ندرك ما خلّفه موتهم في حياة الناس من حولنا.
في طفولتي كنت أشعر بالميزة الفريدة التي يتوفّر عليها جبار في بيتٍ يزخر بحيل البنّائين، كان بكر فخاري وصيهود، المدلّل الذي يقيم في غرفةٍ واسعةٍ لا يشاركه فيها أحد، وأول من نام على سريرٍ يتّسع لشخصين، كانت خزانته مليئةً بأمشاطٍ معدنيةٍ وعطوراتٍ بأشكالٍ وأحجامٍ شتّى ومناشف ملوّنة، أما ملابسه فكانت تملأ خزانتين كاملتين بأدراجهما.
ولم يتغيّر شيء من ذلك بعد زواجه القصير، فلقد كانت زوجته سعاد أجمل امرأة في الحيّ، لم تكن تقرب إلى عائلة صيهود بصلةٍ أو نسبٍ مما جعل زواجه عسيراً ومكلفاً، ولكنه جبّار في نهاية الأمر وسيرى ما يريد ويحصل عليه كما اعتاد طوال حياته.
ولقد حصل مقابل ذلك على موتٍ قاسٍ وشرسٍ.
بدأت الحربُ عندما دخلتُ غرفتَهُ تلمّساً خلال أيام العزاء، وتطلّعتُ في مرآته الكبيرة ورفعتُ أمشاطه وتصفّحتُ ألبومات صوره. كلّ شيءٍ كان يبدو كما لو فرّغ من حياته في لحظةٍ واحدةٍ، اللحظة التي لا يمكنها أن تدوم لحظةً أخرى.
إنها الحرب، حيث الصّواب خطأّ من الأخطاء، وحيث الحياة ميتافيزيقيا تكرّر نفسها في طوافٍ أبديّ بين ضريحيّ الحسين والعبّاس.
بعد سنتين على مقتل جبّار لم تتغيّر الأمكنة كثيراً، وأتذكّر كما لو أن ذلك حدث الآن أنني عدتُ من بيت خالتي فخاري إلى بيتنا في حيّ المعلمين من ذات طريق مكبس التمور الذي سلكته يوم الحرب.
كان كلّ شيءٍ ساكناً، بيت البنائين لم يعد يدّخر حِيَلاً جديدةً برغم زواج محمد، وأما السلّم فلقد تخلّى عن عموديّته العريقة من أجل هبوط زوجته وصعودها إلى غرفتها في السطح. بينما انشغل سعيد بإعداد حسين ليعرف العرافيل والرواعب والمساكي. أعاد بيت الأقنان إلى حياته وبدأت سلالات من الحمام تحفر أحشاء الهواء في طيرانٍ إجباريٍّ من أجل العودةِ بالحمام الضالّ، أو إغراء حماماتٍ من الجوقات القريبة لتنحاز إلى سربه، أما حمامه فكان (جلْداً) ويصعب تضليله، فلقد كان يرفض اقتناء الحمام البالغ لأنه كما كان يقول يشتريه مع ذاكرته، وأسوأ ما في الحمام ذاكرته، لأنها تعود به إلى حيث أقنانه الأولى حتى ولو كان على بعد عشرات الأميال.
في ذلك اليوم وللمرّة الأولى منذ سنوات شعرتُ أن حائط مكبس التمور الشاهق والمديد لم يعد شاهقاً كما كان دائماً ولا مديداً حيث عمل طوال الوقت على تقسيم طفولتي إلى عالمين أحدهما حيّ المعلمين والآخر حيّ فخاري وصيهود وميتات جبار وأمشاطه المعدنيّة.
دخلت حيّ المعلمين من أكثر شوارعه شهرةً وحضوراً في ذاكرة كلّ من عرف الحيّ أو اكتفى بعبوره فحسب، لم يكن له اسم، ولكنه كان في نهاية الأمر شارع (أبو ماجد) مدير مدرسة الأوس كما يطلق عليه أبي، ولقد قبلتُ الاسم رغم أن البيت يقع في الجهة الأخرى من الحيّ ويفصله عنّا نحو أربعين من البيوتات التي تزيد مساحة بعضها على 600 مترٍ مربّعٍ وبواجهةٍ مطلّة على الشارع تمتد إلى ما يزيد على العشرين متر.
يقابله بيت محمد قاسم معلّم الصف الثاني في مدرسة الأوس، المعلّم الذي شاعت قسوته المفرطة بين أجيالٍ من الطلبة الذين ترددوا على المدرسة.
كيف يمكنني نسيان الرجل يا إلهي؟
اشتبكت ذات مرّةٍ مع ابنه خارج المدرسة، وفي اليوم التالي دخل محمد قاسم مزمجراً وغاضباً، قبض عليّ، ثمّ رفعني ولوّح بي في الهواء وألقاني على سبّورة الدرس فارتطمتُ بها وتكوّمتُ على الأرض، شعرتُ أنه فعل كلّ ما يريده وإنني ما زلتُ حيّاً، ولا بأس في ذلك كلّه، وبعد برهةٍ واحدةٍ كنتُ أرى الرؤوس الحليقة لأطفال الصفّ الثاني من مكانٍ مرتفع وهي تتقافز وترتفع في هيئةٍ دائريةٍ، ورأيت ابنه حيدر عند الباب ضئيلاً ومنتشياً ربّما، لا أعرف، ولكنه كان يدور بذات الهيئة أيضاً، فلقد التقطني محمد قاسم ثانيةً وصار يلوّح بي وهو يصرخ: خلّي يطلعلك جدّك.
ثمّ أجلسني فوق خزانةٍ مرتفعةٍ. كنت في السابعة، ولكنها سنٌّ كانت كافيةً لأدرك أن الرجل تورّط مع جدّي وأعمامي.
ثمّ يمتدّ الشارع عموديّاً حيث يقع بيت عباس نعمة، معلّم الرسم الذي جعلنا طوال سنوات نرسم موضوعاً واحداً: شخصٌ ما، يقذف حجراً إلى شجرة سدرٍ من أجل ثمر النّبق، وعندما يهمّ بالتقاط ما تساقط منه يرتدّ الحجر على رأسه.
ويتاخمه بيت جابر عصفور، الرجل الغامض الذي لا يمكنني استعادة صورته إلاّ وهو يرفع عصاه بامتداد يده ويشير بها إلى حيث تتلامح قبّتا الضريحين بكربلاء، وأحيانا يحدّق في شجرة السدر في بيت جاره معلّم الرسم.
ويقع لصق بيت عصفور بيت لؤي، الصبيّ الذي ينحلّ ويتبدّد في الشمس ببياضه الحليبيّ المفرط والذي كنّا نعتقدُ ولسنواتٍ أنه سيتفكّكُ إذا مكث تحت الشمس لدقيقتين، دقيقتين لا غيرهما. فلقد كنا نتطلّع إليه ونحن في ساحة الاصطفاف الصباحيّ يخرج من قاعة الدرس راكضا ليلقي قصيدةً باللغة الإنجليزية بصوتٍ عجولٍ لاهثٍ، وما أن ينتهي حتى يعود إلى القاعة بالسرعة ذاتها. أما نحن فلن نكفّ عن التصفيق بتحريضٍ من أبيه معلّم اللغة الإنجليزية إلا بعد أن يكون لؤي المفرط البياض كفّ عن لهاثه وصار يتفرّس فينا من النافذة منتشياً بانتصاره.
كنتُ برغم بياضه أشعر بمكابداتِه مع أبيه خلال ساعات تلقينه القصيدة الإنجليزية، وربّما أتقنها بعد أن تعرّض إلى أنواعٍ من التقريع واللوم طوال أيام ثم لا تستغرقه قراءتها سوى دقيقتين تحت الشمس بصوت معدنيٍّ متهدّجٍ.
وصعوداً في شارع أبو ماجد، وفي آخر جزءٍ منه يقع بيت جدّي السيد حسين، الرجلُ الصوفيّ، الذي طالما ظننتُ أن بوسعه تكليم الحجارة وسائر أنواع الجمادات بتعبير أخوان الصفاء، أتذكّره قابضاً على أفعى بلا وجلٍ وسار بها حتى الحديقة المهجورة ليطلقها وسط صياح الصبية وهياجهم. أو ملوّحا عكّازه يتهدّد محمّد قاسم وهو لا يكفّ عن دعوته للخروج إليه كرجلٍ ويقنعه أنني كنت أستحقّ العقاب.
وبالطبع مكث محمد قاسم طوال ساعاتٍ في بيته حتى مجيء والدي وأعمامي وبعض أصدقاء الرجل، ولم ينته الأمر إلاّ بعد أن قبّل رأسي وصفع ابنه حيدر أمام الناس وفي قاعة الدرس.
أتذكّره عصر كل يومٍ مقتعداً فراشاً يعدّه صديقه (أبو كاظم) في الحديقة المقابلة للبيت فيشرع بحداءٍ بدويٍّ قديمٍ وبقصائد نبطيّةٍ:
الله يا غافر ذنوب المصلّين
يا خير كل الأرزاق بيده
طيرٍ غدا لي يا سكر يفضخ العين
صيده قلايل ما يصيد الزهيده
أخوي لو شاف النشامى مجبلين
مدّ الفراش وصحفج النجر بيده
عنده دلال مثل رووس الشياهين
بهارهن والهيل يجلب صعيده.
(7)
سرعان ما أتقنَ رعد السهروردي اللهجةَ وصار يعمد إلى ترديد الأبيات مقلّداً صوت جدي ونبرته على نحوٍ يجعل جدي بسحنتهِ الوقورة والمتفكّرة يستغرق في ضحكةٍ مجلجلةٍ.
لقد بدأت الحربُ عندما طافوا بجثمان رعد الضريحينِ.
كان عليه أن يكونَ عصيّاً على الموتِ، ليس لأنه رعد ولكن من يعرفه يدرك أنه من جنس أولئك الرجال الذين لا يعرفون مسالك الموت وليس للموت ذاته تلك القدرة المتقدمة على اكتشاف حيواته كلّها.
كان يتطلّع إلى الموت بقليلٍ من الجديّة، وهو الأمر الذي لا يحسن الموت فعله.
لم يكن رعد يحتاج إلى من يؤكد أنه قادرٌ على تكليم الحجارة كما يفعل جدي، ولكنه قادر على إضحاكها.
حياته القصيرة لم تكن عاديةً، فلقد كانت تحفل بالكثير من الأحداث التي جعلتها بحاجةٍ إلى أن تنقلب على نفسها، فقد شعر على الدوام أنه مخبوء تحت ظلّ أخيه (أديب) بوسامته وقوة حضوره، حتى اللحظة التي تعرّض فيها إلى حريق ذهب ضحيته النصف الأيسر من وجهه وذراعه، كان لذلك تأثيرا موجعا على رعد دفعه إلى مكابدة الندم لسنواتٍ، بسبب شعوره أنه كان يريد لأديب بأي ثمن أن لا يواصل دفعه إلى الإختباء.
ثمّ وعلى حين غرّة وخارج كلّ التوقّعات خرج من ندمه بحبلٍ من مواقف ونكات لاذعةٍ وقدرة خارقةٍ على خلق مفارقات كوميديّةٍ. وبدءاً من ذلك اليوم سرق رعد حضور أخيه وصار كائنا تمنح رؤيته شعوراً بالغبطة، حتى اللحظة التي وصل جسده محفورا بشظايا مدفعيةٍ ثقيلةٍ.
إنها الحربُ، حربي، وحرب رعد السهروردي
حربُ الرجلِ الذي ترك خوذتَه مع رأسِه في الأرضِ الحرام.
عندما سمعتُ بموته ذهبت ووقفت على الجهة الأخرى من الحديقة التي تطلّ على بيته ومن هناك رأيت أمّه وأخواته ينفرطن في الشارع راكضاتٍ في كلّ اتجاه، قصدَتْ أمه منزل (الجلوخان) حاسرة وهي في ثيابِ البيت وأخذت تضرب بقبضتيها على بابه.
كانت تلك هي المرّة الأولى التي نشاهد فيها أم رعد وبناتها بلا عباءات وأغطية رأس، ثمّ ألقت نفسها على الأرض وصارت تتلوّى كما لو طُعنت في خاصرتها.
كان موت رعد طعنةً لا يمكن قبولها، يا إلهي كم سوف نفتقد إليه.
إنها حرب رعد، الفتى الذي لم يعد منظوراً.
كانت تلك السنوات حافلةً بكلّ المتناقضات وهي اكثر من أن تُحصى، حروبٌ مرئيةٌ وأخرى غير مرئيةٍ، ونحن نتقلّب بين ميتاتٍ كثيرةٍ، لا نعرف من أيّ جهةٍ يقصدنا الموت باستقامةٍ حتى لا يكون بوسعنا تفاديه ولا تأجيله.
بدأنا نناورُ الحربَ بخروجنا الجماعيّ وإقبالنا على الحياة كما لو لن تمكث أكثر مما فعلتْ وعلينا أن نمسك بأطرافها حتى لا تتبدّد كلّها.
صارت ساحات الفرق الشعبية تعجّ بأجيالٍ من لاعبي كرة القدم المهرة، حتى أولئك الذين امتنعوا لسنوات عن اللعب وخصوصاً بعد انهيار جهة اليسار مع حزب البعث صاروا ينخرطون في هذا المشهد الذي كان في جوهره محاولةً لخلق قطيعة نفسية مع الحرب أو على الأقل التقليل من آثارها التي صارت أكثر وضوحاً مع كلّ صديقٍ يصل محمولا في تابوت مغلقٍ بإحكامٍ ويطاف به بين الحرمين.
قبل انهيار الجبهة كنت في سنّ ملائمةٍ لأتذكر مجموعة من شبيبة اليسار يلعبون في فرق شعبية عريقة ومعروفة، وكان أبي يميل كثيراً إلى فريق (التضامن) في حي الحرّ، ثم فريق (التقدم) في حيّ المعلمين ولا يفرّط في أيام الجمع باصطحابنا إلى ساحة فريق (النسور)، حيث يلعب (وليد الشفاثي).
أتذكر أنني كنت مأخوذا بذلك كلّه، بالطريقة التي يلعب بها (علي أبو سنون) أو مراوغات (فاهم) الخارقة أو حارس فريق التضامن الأسطوري (نزار)، ولكن لا أحد كان أبلغ تأثيرا من وليد الشفاثي.
كنت أرقبه عند ذهابه إلى ساحة فريقه التقدم مرتدياً ملابسه الرياضية الأنيقة وهو يحمل شبكة كراتٍ تتدلى على ظهره، كان وسيماً ومبتسماً على الدوام ومستعداً للإجابة على كلّ سؤالٍ يوجّه إليه، وطوال الطريق من حيّ الحرّ إلى حيّ المعلمين كان يمشي بطريقته اللافتة التي تجعل نساء حيّ المعلمين الجميلات والممتنعات يترقبن وصوله خلل الأبواب المواربة وستائر النوافذ المسدلة.
(8)
لا يمكن إلا أن نحبه
كنت أراه أحياناً يشتري الخبز من فرن (أبو علي)، قد يستغرقنا الانتظار أكثر من ساعةٍ وقوفاً حول طاولةٍ حديديّةٍ تأخذ النساء جانبها الأيمن ولا يكدن يتحدثن بشيءٍ طوال الوقت، ولكن ما أن تصل (أم صادق) حتى ينحسر الزمن، بل لا تستغرقنا الساعة أكثر من دقيقتين.
كانت تعرف الجميع ويعرفها الجميع، تتحدّث عن زوجها وكأنه آخر المعجزات ولن تحتجّ حتى إذا جمعها بثلاث نساء أخريات، وتضحك ضحكة تصل آخر سوق (حيّ الحرّ) وهي تقول: ولكن عليه قبل كلّ شيءٍ أن ينسى أنه بلغ الستين قبل خمسة أعوام. وتضحك ثانيةً ثمّ تلتفت ناحية وليد وتسأله: يمّه ليش ما تتزوّج وتريح قلب أمك، تزوج حتى تفرح بكبرتها، ماكو أعزّ من الولد غير ولد الولد.
فيجيبها بنبرته الخفيضة: خالة أم صادق شوفي الدنيا كيف مقلوبة، صايرين ما نعرف العير من النفير، شلون تريديني أكسر رقبة بنت الناس.
فتبادر من فورها إلى القول: لاتروح بعيد، بنت الناس بنتي أنا، ما راح نلقى أفضل منك، والمثل يقول أخطب لبنتك ولا تخطب لابنك.
ـ خالة أم صادق أنت وبنتك وأبو صادق على العين والراس، وإذا صارت قسمة ما راح أجد أفضل منكم ولا أفضل من هذا النسب.
ثمّ تنشغل عنه إلى ضحكاتها المجلجلة وأحاديثها التي صارت تنتقل بين النسوة والخبازين، وما أن يبدأ أحدهم بالتودد إليها ضاحكاً حتى تبادره: لا يملأ عيني غير أبو صادق، أروح فدوة لشوفته، يمسك خمسة مثلك ويضعهم تحت إبطه. فتتعالى الضحكات من كلّ جانب.
كنت أريد حقّاً أن أعرف أبو صادق وكيف يبدو خارج الأوصاف التي تطلقها زوجته عليه. وذات يومٍ جاء إلى المخبز ليستعجلها، فرأيته، كان نحيفا كما لو أنه لا يحتاج إلا لنصف انحناءةٍ ليتداعى نصفه الأعلى على الأرض. بروز عظام وجنتيه جعل محاجر عينيه توحيان بأنهما مقبرة جماعية لعشرات الأخاديد الصغيرة والتجعيدات التي تدخل الحفرتين على هيئة حزمٍ من أجزاء وجهه كلها.
كانت نحافته تمنح تصّوراً كاذباً عن قامةٍ مفرطةٍ وذراعين طويلين بوسعهما التقاط الخبز من التنور وهو ما زال بعد خلف الطاولة الحديدية، بيد إنه كان مهيباً، واضحاً ومباشراً ويملك سحنةً متحفّزةً، لم نكن نحتاج إلى الوقت لندرك أنه نقيض زوجته، وعندما سأله أبو علي الخبّاز: أبو صادق لخاطر العبّاس شلون تتحمل أم صادق. فأجابه وهو يضحك ضحكةً خافتةً لم نكد نميزها: أحبها لأنها كذلك، ولا أظنني سأتحملها لو كانت تشبهني، إنها لا تدعني أصفن ولو لبرهةٍ، فبمجرّد أن أمدّ بصري عميقاً حتى تبادرني بصوتٍ مفجوع: وين رحت أبو صادق، لم أعد أتردد على مقهى الحاج (سكر) إلاّ لأصفنَ، ففي البيت تكون الصفنة مشروعاً للزواج من امرأةٍ أخرى، وهي تهمةٌ كافية لأموت خنقاً خلال النوم.
فتجيبه أم صادق: لا بلله، جيب ضرّة، وربك لا يمرّ عليها الليل قبل أن تتناهشها كلاب الحيّ.
وليد الساكن ببياضه الحليبيّ الذي لا يموع تحت الشمس وحرارة الفرن، كان يضحك كما لو اكتشف قوة الضحك لتوّه، كان يحمل كتاباً صغيراً مغلّفاً بجريٍدةٍ ويقرأ منه كلما توفّر على الوقت، وكنت بحاجةٍ إلى أن أعرف الكتاب لأعرفَ الرجل، فلقد شعرت دائماً أن الكتاب يمنح الكائن سحراً مضاعفاً، أو ان الشخصيات والأفكار والأمكنة تدخله ببطءٍ وتجعله ممتدّاً ولا نهائياً وربما كان كائناً قادراً على التحوّل كلّما أراد ذلك، فيكون قادراً على إدراك أن بوسعه أن يكون في أكثر من مكان في الوقت نفسه وأن يكون الكائن ونقيضه معاً.
لمحني وليد وأنا أتلصّص على كتابه، أغلقه بهدوء ووضعه على طاولة الخبز ثمّ أشار إليه وقال: خذه. ثم استدرك سريعاً بقوله إنه لا يلائم سنّك، ربّما بعد سنواتٍ ستتمكّن من قراءته وفهمه.
ترددتُ قليلاً قبل أن أتناول الكتاب، كانت يداي ترتعشان وجبهتي تنزّ عرقاً بارداً.
مضطرباً ومأخوذاً كنتُ، وهو الأمر الذي أدركه وليد بحدسه، فقال في محاولةٍ لدفع مكابداتي بعيداً: هل تكفيك ثلاثة ايّام لقراءته، أو لنقل اسبوعاً، ولكن بعد نهاية الأسبوع سأرى إنْ كنتَ قرأته بتمعّنٍ.
كان الكتاب يشتمل على مجموعة أشعارٍ لماياكوفسكي ترجمها عن اللغة الروسية الشاعر حسب الشيخ جعفر.
أقبلتُ عليه طوال أيامٍ دون هوادةٍ، حتى صرت قادراً على استظهار مجموعةٍ كبيرة من نصوصه. وقبل يومين من نهاية أسبوع الإستعارة فقدتُ الكتاب في حافلة نقلٍ عموميّ. عدتُ إلى البيت محموماً وهاذياً وترددتُ في مصارحته بفقد الكتاب، ولكني في نهاية الأمر قررتُ المواجهة وتحمّل المسؤولية.
حدّق هنيهةً عبر النافذة ثم حوّل بصره إليّ وقال: ولكن هل قرأته حقّاً؟
وبعد قليل كنت أستعيد نصوصاً منه بحماسةٍ سأفتقد إليها طوال حياتي.
فقال وليد وهو يضحك: لم أكن أعرف أن ماياكوفسكي رائع بمثل هذا النحو، الآن فقط أشعر بالفقد.
لقد بدأت الحرب بعد هذا اليوم بثلاث سنواتٍ عندما قُتل وليد الشفاثيّ فيها، وجُنّتْ أمه.
كان وليد ثمرة زواج دام قرابة سنة واحدةٍ قبل أن يموت زوجها غرقاً في بحيرة الرزازة، وعملت كل ما بوسعها لتخلصَ لذكرى زوجها، وهو السبب الذي جعلها تترك (واحة شفاثا) بطبيعتها القبلية والقرابية الصارمة وتقصد كربلاء حتى لا تكون عرضةً لضغوطٍ إضافيةٍ من أجل تزويجها برجلٍ يستر عليها ويقوم على تربية ابنها.
تحمّلت مصاعب جمّة بعد أن قاطعها الجميع فاضطرّت إلى الإقامة في خانٍ قديمٍ بحيّ العباسية لسنواتٍ قبل أن تتفق معها امرأة احتاجت لأشهر لتكسبها من أجل توزيع منشورات وصحف الحزب الشيوعي سرّاً على مجموعة بيوتاتٍ تشكّل خلية العباسية الشرقية.
قادتها شهورٌ من العمل في مهنتها الجديدة إلى أن تجد نفسها وقد صارت جزءاً جوهرياً من هذا الهمّ اليوميّ وعناءات التخفّي والملاحقة والرعب الذي يستبدّ بها وبالجميع عند اعتقال أي فردٍ في الخليّة أو الخلايا الأخرى.
عرفت الإعتقال والتعذيب والمطاردة في طول كربلاء وعرضها حتى قيام الجمهورية الأولى التي وجد فيها الشيوعيون متنفساً حقيقيّاً، فعرّفها أحد قياديّي خلايا كربلاء إلى سلام عادل الأمين العام للحزب حتى موته الفاجع في قصر النهاية عام 1963، فاضطرّتْ إلى مغادرة الخان والتخفّي في حيّ الحرّ الذي كان في بدايات تكوينه، وبدّلت مهنتها لتعمل في سوق قريبٍ وزهدتْ في علاقاتها بالآخرين حتى اكتفت بالطريق الذي يقودها إلى السوق ويعود بها في نهاية النهار إلى البيت.
كانت هذه الأمكنة والأحداث الحاضنة التي نضّجت وليد وأفكاره وجعلته يمتلك وعياً متقدّما بمراحل على أقرانه.
ومنذ أن بلغ الثانية عشرة صار وجوده فعّالاً في تنظيمات وحزام خلايا اليسار المحيطة بكربلاء. اكتسب من أمه الجلد وقوّة الفقد، فقد كان بوسعه أن لا يبدو منظوراً وهو في أوج حضوره، لا يتكلّم إلاّ قليلاً ولا تزخر حياته إلاّ ببضعة أصدقاء.
احتفظت الحرب بوليد الشفاثي.
عندما عرفتُ بموته حدست أنّ للموتِ بلاغةً عاطلةً، إنّه يضاعف الفقد ويشبه أن يمنح أحدنا نفسه لكراهيّة معذّبهِ.
الحرب مغناطيسٌ هائلٌ يستقطبُ إليه الأفئدة.
هل كانت كذلك حقّاً؟
ترك وليد فجوة كبيرةً في حياة الكثيرين ممن عرفوه عن قرب، ربّما كان لصمته وعزلاته تأثيرٌ في تكثيف الألم، لأن مَن مثله لا يمكن أن يكون مفتوحاً أمام تحالفات الموت الشاسعة، فعزلته الشخصيّة كانت موتاً ايضاً، وكنّا نميل إلى القول أنّ كائناً واحداً يدفع ثمناً واحداً، أما إذا كان الكائن هو وليد الشفاثيّ فلقد سبق وأن دفع الثمن ولا حاجة ليعثر عليه الموت بمثل هذه القسوة.
أصبح الموت بلا هيبةٍ، لأنه عجز عن أن يكون مبادراً وقادراً على المفاجأة، لقد صار متوقّعاً تماماً. لقد كان قبل الحرب بسنواتٍ عارماً ومباشراً ويقصد ضحيّته بعد أن يفرّغها من حياتها ببطء وصبرٍ حتى نطمئن إلى أنه فعل كل ما بوسعه وأنجز مهمته بعد أن بالغ في الكشف عن نفسه والتعريف بما يمكنه أن يفعل.
كان ضحاياه دائما بجهةٍ واحدةٍ، فلا يمكنه أن يقصد إنسانا بمقتبل العمر أو شاباً أو كهلاً أو حتى عجوزاً لايزال قادراً على جسّ الأرض بعصاه.
أتذكّر ما كان الموت قادراً على فعله في ذاكرتنا، كانت المساجد تقوم بتعزيةٍ جماعيةٍ مهيبةٍ ويتوافد جمعٌ غفيرٌ إلى منزل المتوفّى. كان حدثاً فاجعاً وبرزخاً يعبره الميت من الحياة إلى الذاكرة، ولكنه صار في أيام الحرب بلا قدرةٍ على الإشارة إلى حضوره، لأنه بالغ كثيراً في تكرار نفسه حتى فقد هويته كصانعٍ للفجيعة.
أتذكر يوم 23 سبتمبر، كان الأمر شبيها بمحاولةٍ شاذةٍ لجعل اللحظة قابلة للإستمرار لحظة أخرى.
كنت وصلت منذ نحو ساعة إلى بيت خالتي في (حيّ رمضان) بكربلاء بعد أن قطعت راجلاً الطريق الذي يمتد قرابة ألفي مترٍ ويقسم حيّ المعلمين إلى نصفين متساويين مروراً بمصنع كبس التمور بجدارهِ المديد المرتفع والذي حدستُ ولسنواتٍ إنه لا نهائيّ.
كان منيعاً أيضا وقابلاً للاستطالة في البرهة التي كنت أوشك دائما على التخلّص من امتداداته الشاسعة، كانت الأشياء بطيئة بلا ريب والزمن لا يتّسع ولا يفيض على نفسه.
ثم اسلك طريق (حيّ التعليب) قبل أن أصل البيت الذي عمل على تعميره ثلاثة أجيال من البنّائين المهرة.
دخلتُ البيتَ من باحتِه الخارجية أوّل الأمر، كانت غرساته المتاخمة لنافذة الصالة تمدّ أعناقها الهزيلة صوب حلفاء المبرّدة1 لتتقاسم الهواء البارد مع عائلة خالتي التي افترشت مساحة الصالة في يوم ايلوليٍّ قائظ.
فتحتُ البابَ ببطءٍ، بيْدَ أن صريره الخافت والذي حرصتُ أن لا يسمعه أحد كان كافياً لتشرئب مجموعة من الأعناق الخدرة لتتعرّف على هوية القادم.
نهضت خالتي على عجلٍ وقادتني إلى غرفةِ ابنها البكر (جبار) وبعد دقائق تبعها أصغر ابنائها (حسين) وكان بعمري، مكث كما يفعل في كلّ مرة واقفاً لدقائق وهو يبتسم ولا يكاد ينبس بشيءٍ، سألتني عن أمي وعن أحوالنا في البيت وأنا أجيبها باقتضاب متوسّلاً إليها بعينيّ أن تنتهي سريعا، أما حسين فبدأ يصعد سلّم القرميد بسرعة ويهبط بالسرعة ذاتها محدثاً جلبةً جعلت خالتي تقف من فورها، وكانت تلك علامةٌ على بدء سباقٍ غير منصفٍ بيني وبين حسين لنصعدَ إلى سطح البيت.
ركض حسين على الدرج الذي ينتصب عموديّاً على نحو كان يجعلني أبدو في محاولةٍ لتسلّقه وليس لصعوده، فلقد كنت أستعمل يديّ وقدميّ في الوقت ذاته.
لقد رافقني هذا الدرج العموديّ حتى اليوم، إذ بين وقت وآخر يظهر في أحلامي بعمودّيته ذاتها وبمحاولاتي اليائسة التي تأخذ في مناماتي بُعداً تراجيدياً مُضاعفاً.
وقف حسين في البيتونة (بيت السلّم) ومدّ يده في محاولةٍ لانتشالي. كنت أشعر بالخزيّ كلما رأيتُ يده ممدودةً باستقامةٍ مبالغٍ فيها، فلقد كنت أكبره بشهرين كاملين ولطالما كان الشهران يمنحاني الأفضليّة في أشياء جمّة، فمثلا لا يمكنه أن يشرع بالحديث (أي حديث) قبل أن أبدأ أولا، فسيجد من ينهره بقوّةٍ، فانا أكبر منه والأهم من ذلك أنني (علويّ هاشميّ)، كانت جملة (دع السيد يتكلم أوّلاً) تجعله يقبل بخذلانه أو يصالح الفكرة برمّتها.
وهكذا وجدتني على السطح في مواجهة أقنان الحمام بأسمائه الغامضة ( العرفلي، أبو قنزوعة، البغدادي، الرواعب، المسكي).
دخلنا الأقنان من بابها المصنوع من سعف النخل وأغلقناه خلفنا بحرصٍ حتى لا يستيقظ (سعيد) الأخ الأكبر لحسين، وصاحب الأقنان وأحد أكبر مقتني الحمام والعارفين بسلالاتها وأنسابها وأصولها.
كان خبيرا على النحو الذي يجعله محفوفاً طوال الوقت بحلقةٍ واسعة من (المطيّرجية) وهو اسم يُطلق على مقتني الحمام ومورّديه كلما قصد مقهى حيّ رمضان أو مقاهي (الولاية) وهي تسمية تُطلق على مركز المدينة بكربلاء القديمة.
كان سعيد يمتلك القول الفصل بكل ما يرتبط بأصولِ هذه المهنةِ والنزاعات التي تنشب وهي كثيرة ويدركها كل من عرفها عن قربٍ، ففي أحيانٍ ليست قليلة كانت تنتهي بموتِ أحد المتخاصمين. ومازالت الذاكرةُ الشعبية تحتفظ بقصصهم وبالكثير من الأفعال التي تتحوّل إلى بسالاتٍ كبيرةٍ عندما تتم استعادتها بعد سنوات على وقوعها.
قادني أول الأمر عبر الأقنان التي تتصل ببعضها عبر ممرٍّ ضيّق إلى أمكنةِ وضع البيض والسلالات الجديدة من الأمهات وفراخهنّ، كانت حزمٌ كبيرة من الغرغرة والهديل تصلنا بانتظام وتتكاثف كلما لمسنا البيوض أو ملسنا على الفراخ المزغبة.
(2)
كنتُ أشعر بلذةٍ عندما تنحدر يدي بشكلٍ قوسيّ على الزغب الزيتيّ بينما تشبك أناملها الدقيقة على أطراف اصابعي وتدفع نفسها خلل صرخاتها القصيرة الحادة إلى القنّ.
بدا حسين قلقاً ومُستفَزاً وصارت نبرته جديّةً بما يكفي لأحدس أنه تخلّص من عقدة الشهرين وقال بصوتٍ ثابت: اترك الفراخ وبيوضهنّ لأن سعيد يعرف ما نفعله الآن ولا يرضى حتى لأبي أن يلمس فرخاً، لأنها قد تموت من مجرد النظر إليها.
يا إلهي.. لم يكن بوسعي أن أدرك الأمر بالصورة التي قالها حسين:
الفراخ تموت من فرط النظر إليها؟
فكّرت حينها أن النظرة تأخذ هيئة غلالة رقيقةٍ أو أخاديد دقيقة تحفر الفراغ في طريقها إلى الفراخ ثم تدخل من فتحة المنخرين في جذر منقارها وتهبط إلى أحشائها فتجهز عليها.
أو تدخل في مسامها وفي زغبها الذي سيتطاير كنباتات النفّاش حتى تتحوّل إلى كتلة ضئيلة من اللحم الكامد.
عبرنا إلى ممر الرواعب والبغداديّ، سألت حسين إن كان بوسعي إمساك البغداديّ من ريش ساقيه الذي يتحدّر حتى يفيض على الأرض.
قال من غير أن يتطلّع إليّ: كل شيءٍ صار ممكناً ما دمنا خارج أقنان الفراخ.
كان تأكيده كافياً لانتزاع البغداديات من أوكارهنّ، فصرتُ أفرشهنّ في هيئة دائرية حولي بينما خفق أجنحتهنّ أخذ يحفّ ذراعيّ النحيلتين ووجهي حتى شعرت لوهلةٍ بالصمم، تطلّعت حولي، كان حسين يعبث بقنزعة حمامة ويفتلها لتنتصب فوق رأسها بطريقةٍ مضحكة.
لم أعد اسمع سوى تعاقب موجات من الخفق والهديل التحما ببعضهما حتى صارا مثل صيحةٍ مديدة.
خرجتُ زاحفا من ممرّ البغداديات عبر ممر الرواعب حتى بلغت باب الأقنان، فتحته على عجلٍ وألقيتُ بنفسي على الأرض، فتحت عينيّ على وجه سعيد الذي بادرني سريعاً:
ـ هل أنت بخير؟، هل تعرف أمك بوجودك هنا؟.
كان وجهه محايداً ولا يمنح شعوراً بالغضب أو السخط من القبض علينا متلبّسين بالتسلّل والعبث في أقنانه وسلالات حمامه النفيسة. كان يبدو مهجوساً بأمرٍ أكبر من كل ممرات الرواعب والمسكيّ والبصريّ والأورفليّ. كان أكبر من الأخاديد التي حفرتها نظراتنا في الزغب الزيتيّ.
قال باقتضاب وبصوت متردّدٍ قليلاً:
ـ حسين خذ السيّد واشتري له شيئاً من الخارج.
هبط حسين الدرج دون أن يبطيء خطواته أو ينظر إلى موضع قدميه، بينما وقفتُ في الأعلى متطلّعا صوب انحداره العريق.
كان حسين ينظر إليّ مشكّكاً بكل يوم من الشهرين اللذين يفصلان ولادتينا، وقال بلهجةٍ مستنكرة:
ـ إنزلْ، تمسّك بالحائط ولا تنظرْ إلى الأسفل.
كانت نصيحته تدفعني إلى كراهيته بقوةٍ لا يدركها إلا مَنْ وقف في أعلى درج بيت خالتي أم جبار وشاهد ابنها حسين يهبطه مغمضا عينيه وهو ينشد:
غزالة غزلوكي
بالمايْ دعبلوكي
قاعدة على الشط
قاعدة تمشّط
إجاها نومي
قاللْها قومي
ثمّ يلتفتُ نحوي ويكرّر: قومي، قومي، وهو يلاعب حاجبيه ويحتفظ بابتسامةٍ ملغزةٍ في زاوية فمه لا يدعها تفلت إلاّ بعد أن أمسك بالجدار وأشرع بهبوط أوّل سلّمةٍ، ومع كل سلّمةٍ كنت أسمعه يردّد بلا انقطاع: بالمايْ دعبلوكي، بالماي دعبلوكي.
ألصقتُ وجهي على الحائط وبدأت أهبط، كان ما يحدث شبيها بعبور برازخ غليظةٍ منحها الرعب كثافة إضافية وركّزها في نقطة واحدة.
لم يكن ينقذني من هذه الكثافات سوى محمد الأخ الأكبر لحسين وسعيد عندما يقف في الأسفل وبابتسامة ليست ملغزة ولا تسقط من زاوية فمه يقول:
ـ توكّل واقفز سيدنا.
عندها لا أتردد في حفر الهواء نحو ذراعيه المديدتين اللتين تتلقّفانني ببراعة وتلوّحان بي قريبا من السقف قبل أن أجد نفسي وقد تخلّصت بقفزة واحدة من كل تلك الكثافات المركّزة التي تجعل في صورتها الجديدة حسين يتحوّل من منشدٍ في جوق، إلى طفل عاجز عن مواجهة ما يراه، ونكاية به يعمد محمد إلى تحديه في القيام بقفزة مشابهة، لكنه يتسلّل خارجا متبوعا بي إلى حديقة المنزل أو الشارع المقابل.
(3)
في تلك اللحظة لم أكن محتاجا إلى المشي على رؤوس أصابعي حتى لا أوقظ زوج خالتي الذي كان اسمه الأسطوريّ نقيضا لسكونه الفراتيّ العريق، إنه صيهود، يا له من اسم، كنت أفكّر أن اسمه فحسب ما يجعله يقوم بأفعال فريدة لا يحسنها غيره، فلقد كان يدخّن تبغا يقوم بغرسه وقطفه وتجفيفه بنفسه ويدّعي أنه من سلالة لم تعد معروفة، ثم يصنع غلايينه من الطين ويفخرها بطرقٍ بدائية، ويضع وسادةً على بطنه الضامر من وضع الجلوس ثم يطوي جذعه عليها ويشرع بالتدخين.
تطلّعتُ إلى الجميع في الصالة حيث كانوا ينصتون بوجومٍ إلى التلفاز محدّقين بوجه المذيع الذي اكتسبتْ ملامحه جديّةً مفاجئةً وصراخا طارئاً، كان البيان رقم واحد الذي أرّخ لبدء الحرب وأعلن قيام القوات العراقية بفعاليات عسكرية مضادّةٍ ضد إيران.
كانت خالتي تبكي بصوتٍ خافتٍ، أمّا زوجها صيهود فلقد بالغ بإحناء جذعه على الوسادة حتى أوشكت جبهته على ملامسة الأرض، سعيد ومحمد جلسا ملتصقين ببعضهما، تتقدّمها ناجحة الجميلة التي تكبرني بثلاث سنوات ومديحة التي تصغرني بعامين.
تسمّرنا في منتصف الصالة في محاولةٍ يائسةٍ لفهم هذا الرجل الذي اكتشفنا بغتةً أنه قادرٌ على الصراخ بمثل هذه النبرة الموتورة وجعل صيهود منصتاً ومحدقاً في الفراغ الذي يفصله عن خالتي كما لو يعمل على ضغطه وتكثيفه في نقطة واحدةٍ ليعبره إليها.
خالتي (فخاري) المرأة التي لا تكفّ عن تذكيرنا من أنها قاتلت بالفالة والمنجل والبرنو في شطّ ملّة وطويريج في تلك الأيام التي صعد فيها المدّ القومي بعد الإجهاز على الجمهوريّة الأولى، كانت منكفئةً ومكلومةً بقوةٍ غامضة، قوّةٍ كانت كافية لتجعلها تتخلّى عن صرامتها الفادحة وملامحها الدقيقة القاسية.
تطلّع سعيد بوجهي وقال بصوت خفيضٍ حرص على أن لا يتناهى إلى سمع فخاري، فلقد كانت في حالتها تلك قادرة على التقاط كلّ نأمة تصدر من التلفاز أو خارجه:
ـ اندلعت الحرب مع ايران، وأخي جبار مازال في وحدته العسكرية.
وأخذ ينقّل عينيه بين وجهينا أنا وحسين، كان يريد أن يدرك تأثير كلماته علينا، خصوصاً وإنه أطلقها بجديةٍ ويأسٍ وبعيداً عن الحمام الذي يعرف عنه أضعاف ما يعرفه عن أخيه جبار.
للحظةٍ شعرتُ أن الأمر برمته لم يكن شبيهاً بجنس تلك النكات التي يطلقها سعيد و التي يستمدها من الحمام وحالاته. كان الامر حقيقياً تماماً، ولفرط جديته جلستُ إلى جانبه في هيئةٍ طقوسيّةٍ واجمةٍ ومتفكّرةٍ.
التصقنا ببعضنا بطريقةٍ جعلتنا نبدو ملتحمين بالحرب
كنا في البرهة تلك من بعضها، وربما حدست مع صراخ المذيع الهستيريّ أن شظيّةً لا مرئية ستخرج من مكان غير متوقّعٍ وتحرق وسادة صيهود ليسقط رأسه على الأرض مبتلعاً غليونه الطينيّ.
تفرّست خالتي بي وبحسين للمرة الأولى منذ دخولنا إلى الصالة واختلط صوتها بأصوات أناشيد عسكرية بزغت فجأة من التلفاز وقالت وهي تحاول أن ترتدّ إلى صورتها القديمة بصرامتها وسحنتها اليابسة: أذهبا خارجا ولا تبتعدا كثيرا.
خرج حسين أول الأمر من غير ان يلتفت وتبعته وأنا افكّر بتلك الشظية اللامرئية وما بوسعها أن تفعله في صالة تتنافذ فيها أصوات البيانات المتلاحقة وأناشيد الحرب ونحيب ناجحة الجميلة الذي أخذ بعدا تراجيديا جعل الشظيّة لا تضلّ طريقها إلى بدني.
الآن فقط بدأت الحرب
خرجنا إلى الشارع ونحن نجسّ الأرض، فالحرب كائنٌ مخادعٌ تنظر إليه من ثقب الباب، ولكنه قد يندلع فيك.
لاحقنا المذيع صارخاً وناشجاً حتى الباب الخارجيّ، فربّما ستقرّر الحرب في أيّة لحظة أن تتنصّل من (سيف سعد، وزين القوس) وتندلع في بيت فخاري وصيهود.
إنه أمر قد يحدث وليس بوسع أحد أن يمنعه أو يؤخره، الحرب هي التي تختار البرهة التي تقع فيها وتختار ضحاياها أيضا وربما وبقليلٍ من الصبر الرواقيّ سيكون بوسعها أن ترى ما تريد، وبالطبع كنت أحدس أنها في يوم 23 سبتمبر كانت تريدني تحديداً، فلقد أبصرتني، ولا يمكن لها أن تنحرف ببصرها ولو قليلاً عنّي.
(4)
كان الشارعُ هادئاً ولنحوِ نصف ساعةٍ لم نر أحداً، كنّا نجوب الساحة التي تفصل المنزل عن دكان (أبو صالح) وكان الحرّ لا يزال لاهباً ولقد منحته الحرب مجّانيتها وطريقتها الفريدة في جعلنا مشدودين إليها بقوّة العبث وانفراط حواسنا.
دخل حسين إلى باحةِ البيتِ ولم يحتج إلى وقتٍ طويلٍ ليعودَ بدراجة سعيد الهوائية من قرنيها، لم أكن تعلمت قيادتها بعد، ولطالما كنت مأخوذاً بجارنا الضئيل (رضا) وهو يقود دراجة أبيه ببراعةٍ فائقةٍ، فلقد كانت مرتفعةً على النحو الذي يجعله لا يقتعد سرجها، بل يجعل مؤخرته على شاخصها الحديديّ ويحرّك عتلاتها حركةً غير تامةٍ حتى يرتفع موضع القدم بعد كل ضغطةٍ لتتلقّف قدمه الأخرى العتلة التي تكون قد ارتفعت لتوّها، وتستمرّ حركته بوتيرةٍ متصاعدةٍ ليمكث رضا الضئيل معلّقا على قضبانها مثل ضحيّة عيد الأضحى في دكان الجزّار عاشور، ولكنها ضحيّةٌ حيّة من لحمٍ حقيقيّ يتحرّك وينتقل من مكانٍ إلى آخر بلسانٍ مندلعٍ وأخاديد عميقةٍ في وجهه حفرتها قوّة البهجة.
قاد حسين الدراجة مفاخراً ومن غير توقّفٍ إلى دكان أبو صالح وهو يصرخ:
غزالة غزّلوكي
بالماي دعبلوكي
قاعدة على الشط
كان يعرف أن افعاله هذه تجعلني لا أتردّد بقبول تحدياته كلها، امتطيتُ الدراجة وتشبثتُ بمقودها كما لو كان مكافأة غير متوقعةٍ، وصار هو يدفعني من الخلف وأنا لا أكاد أعرف كيف أوجّهها، وكنت كلما سقطت انتصبتُ على الفور لأسقط ثانيةً، وقبل مغيب الشّمس كنت ذبيحةً مدمّاة ومدلّاة من دكان الجزّار عاشور، انسلخ اللحم عن مرفقيّ وركبتيّ وحتى كتفيّ احتكا لمرّاتٍ بالجدران، ولكنني في نهاية الأمر قدتُ الدرّاجة وتحكّمت بقرنيها دون مساعدةٍ من حسين، وما أن بلغتُ محل أبو صالح حتى صرختُ:
غزالة غزلوكي
بالماي دعبلوكي
قاعدة على الشطّ
قاعدة تمشّط.
كانت حرباً من نوعٍ لا نعرفه إلا عندما نكون في العاشرة، حرباً من غير بيانٍ أولٍ أو ثانٍ، ولا أغانٍ مرتجلةٍ، حرباً لن نكون مضطرّين إلى تأكيد أنّ ضحاياها بدأوا يصلون ملفوفين بالعلم العراقي ويطوفون بهم ضريحيّ الإمامين الحسين والعباس إبنا الإمام علي بن أبي طالب، حربا، نَصِفُها بكثيرٍ من الحكمة وقليلٍ من النعوتِ التي تجعلها طارئةً ولا تدوم أكثر من إنسلاخ اللحم عن المرفقين والركبتين.
(5)
في ذلك اليوم بدأت الحرب
سبق إعلان الحربِ حربٌ أخرى غير منظورةٍ، حربٌ ترى الأشياء بعينٍ واحدةٍ كبيرة وتدفع إليها بأقدار الرجال ومصائرهم.
تبدأ الحرب حين تجد الرجل متوجّساً وكثيفاً.
تبدأ الحرب حين يبدأ السواد.
تبدأ الحرب حين لا تجد من يشير إلى شيءٍ ويقصده. تبدأ الحرب حين يشير الرجل إلى أشياء جمّة ولا يبلغ شيئا منها. تبدأ الحرب حين يفرّغ الصواب نفسه ولا يمكث فيه ما يمكن أن يكون حقيقيّاً أو واضحاً على أقلّ تقديرٍ، وحين تفرّغُ الشوارع والبيوت نفسها من حركة الرجال وحضورهم المديد.
بدأت الحربُ عندما أهمل سعيد حماماته وصار يتوجّس خيفة أن يرسبَ في دراسته الإعدادية لأن ذلك يعني تسويقه إلى الحرب. بدأت الحرب حين تخلّى عن أورفلياته ورواعبه وبغدادياته، وحين لم يبق سوى أجيال من الذرق الممزوج بالزغب وحبوب الدّخن وجريش الحنطة.
ولكنها لم تبدأ أبدا ولن تعلن عن بشاعتها كما فعلت حين قُتل جبار ابن خالتي وطافوا ببقاياه ضريحيّ الإمامين بكربلاء. رفضتْ فخاري استلام الجثّة وأكّدت أنها لرجلٍ آخرفجبّار بقامته الفارعة لا يمكن أن يكون ضئيلاً على هذا النحو. وفعل صيهود الأمر ذاته، ولكنه لم يصرخْ ويحفر أخاديد عميقةٍ في جبهته وخدّيه كما فعلت فخاري، ولم يصعد إلى بيت الأقنان ويمكث فيه أسبوعاً كاملاً كما فعل سعيد، ولم يقبل الأمر بسرعةٍ كما فعل محمد، ولم يفقد القدرة على النطق كما حدث مع ناجحة الجميلة، بل تفرّس في بقايا رجلٍ ضرّست الحربُ جسده واحتفظتْ بثلثيه، وقال ببطءٍ: ابحثوا عن عائلةٍ أخرى لهذا الفتى.
كان الجنديّ الذي رافق الجثّة من الوحدة العسكريّة لا يزال ينتحب أمام الباب الخارجيّ وهو لا يكفّ عن تأكيد أنها تعودُ لجبّار ولقد بذل مع جنديين آخرين الكثير من الجهد حتى لا تتفحّم بكاملها داخل الدبابة، ثمّ شمّر عن ذراعيه ليروا إلى آثار حروق حديثة، ومزّق قميصه ليروا امتدادها من بطنه وخاصرته وصولاً إلى إبطيه.
قبلتْ فخاري الأمر وهي تصرّ أنها ليست لإبنها، ولكنها فعلت ذلك من أجل الفتى الذي أصبح بلا عائلةٍ، ولن يجد أفضل من عائلة صيهود لتكريم ميتته الفادحة.
(6)
لا أتذكّر الكثير عن جبّار، فلقد كان بلا أصدقاء تقريباً، ولفرط عزلته قال عنه أحد أصدقائه القليلين: لم يعلن جبار في حياته عن نفسه قطّ كما فعل في موته.
لم يكن موتاً بل تسجيل حضورٍ لأول مرّةٍ، إذ لا أحد يريد تصديق أن هذه البقايا المتفحّمة تعود إليه حقّاً.
استمرّ الأمر لسنواتٍ طويلة على وفاته وهو ما جعل فخاري تكابد انتظاراتٍ شاقّةً.
لم تكن حرباً واحدةً فحسب، كنتُ أشعر أنها تضمر في جسمها الذي صار يدّخر القتلى والمعاقين والمفقودين حروباً أخرى، كتلك التي نشعر بها عندما نسمع بمقتل أحدٍ ممن عرفناهم ذات يومٍ، أو حتى أولئك الذين لم نعرفهم بل ندرك ما خلّفه موتهم في حياة الناس من حولنا.
في طفولتي كنت أشعر بالميزة الفريدة التي يتوفّر عليها جبار في بيتٍ يزخر بحيل البنّائين، كان بكر فخاري وصيهود، المدلّل الذي يقيم في غرفةٍ واسعةٍ لا يشاركه فيها أحد، وأول من نام على سريرٍ يتّسع لشخصين، كانت خزانته مليئةً بأمشاطٍ معدنيةٍ وعطوراتٍ بأشكالٍ وأحجامٍ شتّى ومناشف ملوّنة، أما ملابسه فكانت تملأ خزانتين كاملتين بأدراجهما.
ولم يتغيّر شيء من ذلك بعد زواجه القصير، فلقد كانت زوجته سعاد أجمل امرأة في الحيّ، لم تكن تقرب إلى عائلة صيهود بصلةٍ أو نسبٍ مما جعل زواجه عسيراً ومكلفاً، ولكنه جبّار في نهاية الأمر وسيرى ما يريد ويحصل عليه كما اعتاد طوال حياته.
ولقد حصل مقابل ذلك على موتٍ قاسٍ وشرسٍ.
بدأت الحربُ عندما دخلتُ غرفتَهُ تلمّساً خلال أيام العزاء، وتطلّعتُ في مرآته الكبيرة ورفعتُ أمشاطه وتصفّحتُ ألبومات صوره. كلّ شيءٍ كان يبدو كما لو فرّغ من حياته في لحظةٍ واحدةٍ، اللحظة التي لا يمكنها أن تدوم لحظةً أخرى.
إنها الحرب، حيث الصّواب خطأّ من الأخطاء، وحيث الحياة ميتافيزيقيا تكرّر نفسها في طوافٍ أبديّ بين ضريحيّ الحسين والعبّاس.
بعد سنتين على مقتل جبّار لم تتغيّر الأمكنة كثيراً، وأتذكّر كما لو أن ذلك حدث الآن أنني عدتُ من بيت خالتي فخاري إلى بيتنا في حيّ المعلمين من ذات طريق مكبس التمور الذي سلكته يوم الحرب.
كان كلّ شيءٍ ساكناً، بيت البنائين لم يعد يدّخر حِيَلاً جديدةً برغم زواج محمد، وأما السلّم فلقد تخلّى عن عموديّته العريقة من أجل هبوط زوجته وصعودها إلى غرفتها في السطح. بينما انشغل سعيد بإعداد حسين ليعرف العرافيل والرواعب والمساكي. أعاد بيت الأقنان إلى حياته وبدأت سلالات من الحمام تحفر أحشاء الهواء في طيرانٍ إجباريٍّ من أجل العودةِ بالحمام الضالّ، أو إغراء حماماتٍ من الجوقات القريبة لتنحاز إلى سربه، أما حمامه فكان (جلْداً) ويصعب تضليله، فلقد كان يرفض اقتناء الحمام البالغ لأنه كما كان يقول يشتريه مع ذاكرته، وأسوأ ما في الحمام ذاكرته، لأنها تعود به إلى حيث أقنانه الأولى حتى ولو كان على بعد عشرات الأميال.
في ذلك اليوم وللمرّة الأولى منذ سنوات شعرتُ أن حائط مكبس التمور الشاهق والمديد لم يعد شاهقاً كما كان دائماً ولا مديداً حيث عمل طوال الوقت على تقسيم طفولتي إلى عالمين أحدهما حيّ المعلمين والآخر حيّ فخاري وصيهود وميتات جبار وأمشاطه المعدنيّة.
دخلت حيّ المعلمين من أكثر شوارعه شهرةً وحضوراً في ذاكرة كلّ من عرف الحيّ أو اكتفى بعبوره فحسب، لم يكن له اسم، ولكنه كان في نهاية الأمر شارع (أبو ماجد) مدير مدرسة الأوس كما يطلق عليه أبي، ولقد قبلتُ الاسم رغم أن البيت يقع في الجهة الأخرى من الحيّ ويفصله عنّا نحو أربعين من البيوتات التي تزيد مساحة بعضها على 600 مترٍ مربّعٍ وبواجهةٍ مطلّة على الشارع تمتد إلى ما يزيد على العشرين متر.
يقابله بيت محمد قاسم معلّم الصف الثاني في مدرسة الأوس، المعلّم الذي شاعت قسوته المفرطة بين أجيالٍ من الطلبة الذين ترددوا على المدرسة.
كيف يمكنني نسيان الرجل يا إلهي؟
اشتبكت ذات مرّةٍ مع ابنه خارج المدرسة، وفي اليوم التالي دخل محمد قاسم مزمجراً وغاضباً، قبض عليّ، ثمّ رفعني ولوّح بي في الهواء وألقاني على سبّورة الدرس فارتطمتُ بها وتكوّمتُ على الأرض، شعرتُ أنه فعل كلّ ما يريده وإنني ما زلتُ حيّاً، ولا بأس في ذلك كلّه، وبعد برهةٍ واحدةٍ كنتُ أرى الرؤوس الحليقة لأطفال الصفّ الثاني من مكانٍ مرتفع وهي تتقافز وترتفع في هيئةٍ دائريةٍ، ورأيت ابنه حيدر عند الباب ضئيلاً ومنتشياً ربّما، لا أعرف، ولكنه كان يدور بذات الهيئة أيضاً، فلقد التقطني محمد قاسم ثانيةً وصار يلوّح بي وهو يصرخ: خلّي يطلعلك جدّك.
ثمّ أجلسني فوق خزانةٍ مرتفعةٍ. كنت في السابعة، ولكنها سنٌّ كانت كافيةً لأدرك أن الرجل تورّط مع جدّي وأعمامي.
ثمّ يمتدّ الشارع عموديّاً حيث يقع بيت عباس نعمة، معلّم الرسم الذي جعلنا طوال سنوات نرسم موضوعاً واحداً: شخصٌ ما، يقذف حجراً إلى شجرة سدرٍ من أجل ثمر النّبق، وعندما يهمّ بالتقاط ما تساقط منه يرتدّ الحجر على رأسه.
ويتاخمه بيت جابر عصفور، الرجل الغامض الذي لا يمكنني استعادة صورته إلاّ وهو يرفع عصاه بامتداد يده ويشير بها إلى حيث تتلامح قبّتا الضريحين بكربلاء، وأحيانا يحدّق في شجرة السدر في بيت جاره معلّم الرسم.
ويقع لصق بيت عصفور بيت لؤي، الصبيّ الذي ينحلّ ويتبدّد في الشمس ببياضه الحليبيّ المفرط والذي كنّا نعتقدُ ولسنواتٍ أنه سيتفكّكُ إذا مكث تحت الشمس لدقيقتين، دقيقتين لا غيرهما. فلقد كنا نتطلّع إليه ونحن في ساحة الاصطفاف الصباحيّ يخرج من قاعة الدرس راكضا ليلقي قصيدةً باللغة الإنجليزية بصوتٍ عجولٍ لاهثٍ، وما أن ينتهي حتى يعود إلى القاعة بالسرعة ذاتها. أما نحن فلن نكفّ عن التصفيق بتحريضٍ من أبيه معلّم اللغة الإنجليزية إلا بعد أن يكون لؤي المفرط البياض كفّ عن لهاثه وصار يتفرّس فينا من النافذة منتشياً بانتصاره.
كنتُ برغم بياضه أشعر بمكابداتِه مع أبيه خلال ساعات تلقينه القصيدة الإنجليزية، وربّما أتقنها بعد أن تعرّض إلى أنواعٍ من التقريع واللوم طوال أيام ثم لا تستغرقه قراءتها سوى دقيقتين تحت الشمس بصوت معدنيٍّ متهدّجٍ.
وصعوداً في شارع أبو ماجد، وفي آخر جزءٍ منه يقع بيت جدّي السيد حسين، الرجلُ الصوفيّ، الذي طالما ظننتُ أن بوسعه تكليم الحجارة وسائر أنواع الجمادات بتعبير أخوان الصفاء، أتذكّره قابضاً على أفعى بلا وجلٍ وسار بها حتى الحديقة المهجورة ليطلقها وسط صياح الصبية وهياجهم. أو ملوّحا عكّازه يتهدّد محمّد قاسم وهو لا يكفّ عن دعوته للخروج إليه كرجلٍ ويقنعه أنني كنت أستحقّ العقاب.
وبالطبع مكث محمد قاسم طوال ساعاتٍ في بيته حتى مجيء والدي وأعمامي وبعض أصدقاء الرجل، ولم ينته الأمر إلاّ بعد أن قبّل رأسي وصفع ابنه حيدر أمام الناس وفي قاعة الدرس.
أتذكّره عصر كل يومٍ مقتعداً فراشاً يعدّه صديقه (أبو كاظم) في الحديقة المقابلة للبيت فيشرع بحداءٍ بدويٍّ قديمٍ وبقصائد نبطيّةٍ:
الله يا غافر ذنوب المصلّين
يا خير كل الأرزاق بيده
طيرٍ غدا لي يا سكر يفضخ العين
صيده قلايل ما يصيد الزهيده
أخوي لو شاف النشامى مجبلين
مدّ الفراش وصحفج النجر بيده
عنده دلال مثل رووس الشياهين
بهارهن والهيل يجلب صعيده.
(7)
سرعان ما أتقنَ رعد السهروردي اللهجةَ وصار يعمد إلى ترديد الأبيات مقلّداً صوت جدي ونبرته على نحوٍ يجعل جدي بسحنتهِ الوقورة والمتفكّرة يستغرق في ضحكةٍ مجلجلةٍ.
لقد بدأت الحربُ عندما طافوا بجثمان رعد الضريحينِ.
كان عليه أن يكونَ عصيّاً على الموتِ، ليس لأنه رعد ولكن من يعرفه يدرك أنه من جنس أولئك الرجال الذين لا يعرفون مسالك الموت وليس للموت ذاته تلك القدرة المتقدمة على اكتشاف حيواته كلّها.
كان يتطلّع إلى الموت بقليلٍ من الجديّة، وهو الأمر الذي لا يحسن الموت فعله.
لم يكن رعد يحتاج إلى من يؤكد أنه قادرٌ على تكليم الحجارة كما يفعل جدي، ولكنه قادر على إضحاكها.
حياته القصيرة لم تكن عاديةً، فلقد كانت تحفل بالكثير من الأحداث التي جعلتها بحاجةٍ إلى أن تنقلب على نفسها، فقد شعر على الدوام أنه مخبوء تحت ظلّ أخيه (أديب) بوسامته وقوة حضوره، حتى اللحظة التي تعرّض فيها إلى حريق ذهب ضحيته النصف الأيسر من وجهه وذراعه، كان لذلك تأثيرا موجعا على رعد دفعه إلى مكابدة الندم لسنواتٍ، بسبب شعوره أنه كان يريد لأديب بأي ثمن أن لا يواصل دفعه إلى الإختباء.
ثمّ وعلى حين غرّة وخارج كلّ التوقّعات خرج من ندمه بحبلٍ من مواقف ونكات لاذعةٍ وقدرة خارقةٍ على خلق مفارقات كوميديّةٍ. وبدءاً من ذلك اليوم سرق رعد حضور أخيه وصار كائنا تمنح رؤيته شعوراً بالغبطة، حتى اللحظة التي وصل جسده محفورا بشظايا مدفعيةٍ ثقيلةٍ.
إنها الحربُ، حربي، وحرب رعد السهروردي
حربُ الرجلِ الذي ترك خوذتَه مع رأسِه في الأرضِ الحرام.
عندما سمعتُ بموته ذهبت ووقفت على الجهة الأخرى من الحديقة التي تطلّ على بيته ومن هناك رأيت أمّه وأخواته ينفرطن في الشارع راكضاتٍ في كلّ اتجاه، قصدَتْ أمه منزل (الجلوخان) حاسرة وهي في ثيابِ البيت وأخذت تضرب بقبضتيها على بابه.
كانت تلك هي المرّة الأولى التي نشاهد فيها أم رعد وبناتها بلا عباءات وأغطية رأس، ثمّ ألقت نفسها على الأرض وصارت تتلوّى كما لو طُعنت في خاصرتها.
كان موت رعد طعنةً لا يمكن قبولها، يا إلهي كم سوف نفتقد إليه.
إنها حرب رعد، الفتى الذي لم يعد منظوراً.
كانت تلك السنوات حافلةً بكلّ المتناقضات وهي اكثر من أن تُحصى، حروبٌ مرئيةٌ وأخرى غير مرئيةٍ، ونحن نتقلّب بين ميتاتٍ كثيرةٍ، لا نعرف من أيّ جهةٍ يقصدنا الموت باستقامةٍ حتى لا يكون بوسعنا تفاديه ولا تأجيله.
بدأنا نناورُ الحربَ بخروجنا الجماعيّ وإقبالنا على الحياة كما لو لن تمكث أكثر مما فعلتْ وعلينا أن نمسك بأطرافها حتى لا تتبدّد كلّها.
صارت ساحات الفرق الشعبية تعجّ بأجيالٍ من لاعبي كرة القدم المهرة، حتى أولئك الذين امتنعوا لسنوات عن اللعب وخصوصاً بعد انهيار جهة اليسار مع حزب البعث صاروا ينخرطون في هذا المشهد الذي كان في جوهره محاولةً لخلق قطيعة نفسية مع الحرب أو على الأقل التقليل من آثارها التي صارت أكثر وضوحاً مع كلّ صديقٍ يصل محمولا في تابوت مغلقٍ بإحكامٍ ويطاف به بين الحرمين.
قبل انهيار الجبهة كنت في سنّ ملائمةٍ لأتذكر مجموعة من شبيبة اليسار يلعبون في فرق شعبية عريقة ومعروفة، وكان أبي يميل كثيراً إلى فريق (التضامن) في حي الحرّ، ثم فريق (التقدم) في حيّ المعلمين ولا يفرّط في أيام الجمع باصطحابنا إلى ساحة فريق (النسور)، حيث يلعب (وليد الشفاثي).
أتذكر أنني كنت مأخوذا بذلك كلّه، بالطريقة التي يلعب بها (علي أبو سنون) أو مراوغات (فاهم) الخارقة أو حارس فريق التضامن الأسطوري (نزار)، ولكن لا أحد كان أبلغ تأثيرا من وليد الشفاثي.
كنت أرقبه عند ذهابه إلى ساحة فريقه التقدم مرتدياً ملابسه الرياضية الأنيقة وهو يحمل شبكة كراتٍ تتدلى على ظهره، كان وسيماً ومبتسماً على الدوام ومستعداً للإجابة على كلّ سؤالٍ يوجّه إليه، وطوال الطريق من حيّ الحرّ إلى حيّ المعلمين كان يمشي بطريقته اللافتة التي تجعل نساء حيّ المعلمين الجميلات والممتنعات يترقبن وصوله خلل الأبواب المواربة وستائر النوافذ المسدلة.
(8)
لا يمكن إلا أن نحبه
كنت أراه أحياناً يشتري الخبز من فرن (أبو علي)، قد يستغرقنا الانتظار أكثر من ساعةٍ وقوفاً حول طاولةٍ حديديّةٍ تأخذ النساء جانبها الأيمن ولا يكدن يتحدثن بشيءٍ طوال الوقت، ولكن ما أن تصل (أم صادق) حتى ينحسر الزمن، بل لا تستغرقنا الساعة أكثر من دقيقتين.
كانت تعرف الجميع ويعرفها الجميع، تتحدّث عن زوجها وكأنه آخر المعجزات ولن تحتجّ حتى إذا جمعها بثلاث نساء أخريات، وتضحك ضحكة تصل آخر سوق (حيّ الحرّ) وهي تقول: ولكن عليه قبل كلّ شيءٍ أن ينسى أنه بلغ الستين قبل خمسة أعوام. وتضحك ثانيةً ثمّ تلتفت ناحية وليد وتسأله: يمّه ليش ما تتزوّج وتريح قلب أمك، تزوج حتى تفرح بكبرتها، ماكو أعزّ من الولد غير ولد الولد.
فيجيبها بنبرته الخفيضة: خالة أم صادق شوفي الدنيا كيف مقلوبة، صايرين ما نعرف العير من النفير، شلون تريديني أكسر رقبة بنت الناس.
فتبادر من فورها إلى القول: لاتروح بعيد، بنت الناس بنتي أنا، ما راح نلقى أفضل منك، والمثل يقول أخطب لبنتك ولا تخطب لابنك.
ـ خالة أم صادق أنت وبنتك وأبو صادق على العين والراس، وإذا صارت قسمة ما راح أجد أفضل منكم ولا أفضل من هذا النسب.
ثمّ تنشغل عنه إلى ضحكاتها المجلجلة وأحاديثها التي صارت تنتقل بين النسوة والخبازين، وما أن يبدأ أحدهم بالتودد إليها ضاحكاً حتى تبادره: لا يملأ عيني غير أبو صادق، أروح فدوة لشوفته، يمسك خمسة مثلك ويضعهم تحت إبطه. فتتعالى الضحكات من كلّ جانب.
كنت أريد حقّاً أن أعرف أبو صادق وكيف يبدو خارج الأوصاف التي تطلقها زوجته عليه. وذات يومٍ جاء إلى المخبز ليستعجلها، فرأيته، كان نحيفا كما لو أنه لا يحتاج إلا لنصف انحناءةٍ ليتداعى نصفه الأعلى على الأرض. بروز عظام وجنتيه جعل محاجر عينيه توحيان بأنهما مقبرة جماعية لعشرات الأخاديد الصغيرة والتجعيدات التي تدخل الحفرتين على هيئة حزمٍ من أجزاء وجهه كلها.
كانت نحافته تمنح تصّوراً كاذباً عن قامةٍ مفرطةٍ وذراعين طويلين بوسعهما التقاط الخبز من التنور وهو ما زال بعد خلف الطاولة الحديدية، بيد إنه كان مهيباً، واضحاً ومباشراً ويملك سحنةً متحفّزةً، لم نكن نحتاج إلى الوقت لندرك أنه نقيض زوجته، وعندما سأله أبو علي الخبّاز: أبو صادق لخاطر العبّاس شلون تتحمل أم صادق. فأجابه وهو يضحك ضحكةً خافتةً لم نكد نميزها: أحبها لأنها كذلك، ولا أظنني سأتحملها لو كانت تشبهني، إنها لا تدعني أصفن ولو لبرهةٍ، فبمجرّد أن أمدّ بصري عميقاً حتى تبادرني بصوتٍ مفجوع: وين رحت أبو صادق، لم أعد أتردد على مقهى الحاج (سكر) إلاّ لأصفنَ، ففي البيت تكون الصفنة مشروعاً للزواج من امرأةٍ أخرى، وهي تهمةٌ كافية لأموت خنقاً خلال النوم.
فتجيبه أم صادق: لا بلله، جيب ضرّة، وربك لا يمرّ عليها الليل قبل أن تتناهشها كلاب الحيّ.
وليد الساكن ببياضه الحليبيّ الذي لا يموع تحت الشمس وحرارة الفرن، كان يضحك كما لو اكتشف قوة الضحك لتوّه، كان يحمل كتاباً صغيراً مغلّفاً بجريٍدةٍ ويقرأ منه كلما توفّر على الوقت، وكنت بحاجةٍ إلى أن أعرف الكتاب لأعرفَ الرجل، فلقد شعرت دائماً أن الكتاب يمنح الكائن سحراً مضاعفاً، أو ان الشخصيات والأفكار والأمكنة تدخله ببطءٍ وتجعله ممتدّاً ولا نهائياً وربما كان كائناً قادراً على التحوّل كلّما أراد ذلك، فيكون قادراً على إدراك أن بوسعه أن يكون في أكثر من مكان في الوقت نفسه وأن يكون الكائن ونقيضه معاً.
لمحني وليد وأنا أتلصّص على كتابه، أغلقه بهدوء ووضعه على طاولة الخبز ثمّ أشار إليه وقال: خذه. ثم استدرك سريعاً بقوله إنه لا يلائم سنّك، ربّما بعد سنواتٍ ستتمكّن من قراءته وفهمه.
ترددتُ قليلاً قبل أن أتناول الكتاب، كانت يداي ترتعشان وجبهتي تنزّ عرقاً بارداً.
مضطرباً ومأخوذاً كنتُ، وهو الأمر الذي أدركه وليد بحدسه، فقال في محاولةٍ لدفع مكابداتي بعيداً: هل تكفيك ثلاثة ايّام لقراءته، أو لنقل اسبوعاً، ولكن بعد نهاية الأسبوع سأرى إنْ كنتَ قرأته بتمعّنٍ.
كان الكتاب يشتمل على مجموعة أشعارٍ لماياكوفسكي ترجمها عن اللغة الروسية الشاعر حسب الشيخ جعفر.
أقبلتُ عليه طوال أيامٍ دون هوادةٍ، حتى صرت قادراً على استظهار مجموعةٍ كبيرة من نصوصه. وقبل يومين من نهاية أسبوع الإستعارة فقدتُ الكتاب في حافلة نقلٍ عموميّ. عدتُ إلى البيت محموماً وهاذياً وترددتُ في مصارحته بفقد الكتاب، ولكني في نهاية الأمر قررتُ المواجهة وتحمّل المسؤولية.
حدّق هنيهةً عبر النافذة ثم حوّل بصره إليّ وقال: ولكن هل قرأته حقّاً؟
وبعد قليل كنت أستعيد نصوصاً منه بحماسةٍ سأفتقد إليها طوال حياتي.
فقال وليد وهو يضحك: لم أكن أعرف أن ماياكوفسكي رائع بمثل هذا النحو، الآن فقط أشعر بالفقد.
لقد بدأت الحرب بعد هذا اليوم بثلاث سنواتٍ عندما قُتل وليد الشفاثيّ فيها، وجُنّتْ أمه.
كان وليد ثمرة زواج دام قرابة سنة واحدةٍ قبل أن يموت زوجها غرقاً في بحيرة الرزازة، وعملت كل ما بوسعها لتخلصَ لذكرى زوجها، وهو السبب الذي جعلها تترك (واحة شفاثا) بطبيعتها القبلية والقرابية الصارمة وتقصد كربلاء حتى لا تكون عرضةً لضغوطٍ إضافيةٍ من أجل تزويجها برجلٍ يستر عليها ويقوم على تربية ابنها.
تحمّلت مصاعب جمّة بعد أن قاطعها الجميع فاضطرّت إلى الإقامة في خانٍ قديمٍ بحيّ العباسية لسنواتٍ قبل أن تتفق معها امرأة احتاجت لأشهر لتكسبها من أجل توزيع منشورات وصحف الحزب الشيوعي سرّاً على مجموعة بيوتاتٍ تشكّل خلية العباسية الشرقية.
قادتها شهورٌ من العمل في مهنتها الجديدة إلى أن تجد نفسها وقد صارت جزءاً جوهرياً من هذا الهمّ اليوميّ وعناءات التخفّي والملاحقة والرعب الذي يستبدّ بها وبالجميع عند اعتقال أي فردٍ في الخليّة أو الخلايا الأخرى.
عرفت الإعتقال والتعذيب والمطاردة في طول كربلاء وعرضها حتى قيام الجمهورية الأولى التي وجد فيها الشيوعيون متنفساً حقيقيّاً، فعرّفها أحد قياديّي خلايا كربلاء إلى سلام عادل الأمين العام للحزب حتى موته الفاجع في قصر النهاية عام 1963، فاضطرّتْ إلى مغادرة الخان والتخفّي في حيّ الحرّ الذي كان في بدايات تكوينه، وبدّلت مهنتها لتعمل في سوق قريبٍ وزهدتْ في علاقاتها بالآخرين حتى اكتفت بالطريق الذي يقودها إلى السوق ويعود بها في نهاية النهار إلى البيت.
كانت هذه الأمكنة والأحداث الحاضنة التي نضّجت وليد وأفكاره وجعلته يمتلك وعياً متقدّما بمراحل على أقرانه.
ومنذ أن بلغ الثانية عشرة صار وجوده فعّالاً في تنظيمات وحزام خلايا اليسار المحيطة بكربلاء. اكتسب من أمه الجلد وقوّة الفقد، فقد كان بوسعه أن لا يبدو منظوراً وهو في أوج حضوره، لا يتكلّم إلاّ قليلاً ولا تزخر حياته إلاّ ببضعة أصدقاء.
احتفظت الحرب بوليد الشفاثي.
عندما عرفتُ بموته حدست أنّ للموتِ بلاغةً عاطلةً، إنّه يضاعف الفقد ويشبه أن يمنح أحدنا نفسه لكراهيّة معذّبهِ.
الحرب مغناطيسٌ هائلٌ يستقطبُ إليه الأفئدة.
هل كانت كذلك حقّاً؟
ترك وليد فجوة كبيرةً في حياة الكثيرين ممن عرفوه عن قرب، ربّما كان لصمته وعزلاته تأثيرٌ في تكثيف الألم، لأن مَن مثله لا يمكن أن يكون مفتوحاً أمام تحالفات الموت الشاسعة، فعزلته الشخصيّة كانت موتاً ايضاً، وكنّا نميل إلى القول أنّ كائناً واحداً يدفع ثمناً واحداً، أما إذا كان الكائن هو وليد الشفاثيّ فلقد سبق وأن دفع الثمن ولا حاجة ليعثر عليه الموت بمثل هذه القسوة.
أصبح الموت بلا هيبةٍ، لأنه عجز عن أن يكون مبادراً وقادراً على المفاجأة، لقد صار متوقّعاً تماماً. لقد كان قبل الحرب بسنواتٍ عارماً ومباشراً ويقصد ضحيّته بعد أن يفرّغها من حياتها ببطء وصبرٍ حتى نطمئن إلى أنه فعل كل ما بوسعه وأنجز مهمته بعد أن بالغ في الكشف عن نفسه والتعريف بما يمكنه أن يفعل.
كان ضحاياه دائما بجهةٍ واحدةٍ، فلا يمكنه أن يقصد إنسانا بمقتبل العمر أو شاباً أو كهلاً أو حتى عجوزاً لايزال قادراً على جسّ الأرض بعصاه.
أتذكّر ما كان الموت قادراً على فعله في ذاكرتنا، كانت المساجد تقوم بتعزيةٍ جماعيةٍ مهيبةٍ ويتوافد جمعٌ غفيرٌ إلى منزل المتوفّى. كان حدثاً فاجعاً وبرزخاً يعبره الميت من الحياة إلى الذاكرة، ولكنه صار في أيام الحرب بلا قدرةٍ على الإشارة إلى حضوره، لأنه بالغ كثيراً في تكرار نفسه حتى فقد هويته كصانعٍ للفجيعة.