حكي عنه أنّه عندما ترك شفاثة وذهب إلى كربلاء مرّ بـ (حجر حفنة ) الذي يشرف على وادي الأبيّض , ومن فوق الحجر تطلّع إلى الوادي الذي كانت تبدو مضارب البدو المقيمين فيه سوداء وصغيرة كالنمل.
رجع إلى الحجر وقرأ فيه: ( هذا ما دوّنه الغائب وقد بلغ الثلاثين وليس له صفراء أو حمراء ) أما الكتابة التي بأعلى الحجر فلقد حدّثه محمد زمان أنّها الجوهر المكنون وما سواها ليس سوى أعراض زائلة.
ـ وكيف عرفت ذلك ؟
ـ لقد رأيتها في فصوص خاتم قرّة العين في اليوم الذي منحتها الشال ذا الطواويس ورأيت الخاتم قبل أن يذوب الحجر الزاجي على فصوصه السبعة ويأكل دانيال الأسدان.
ثمّ أخذ يعلّم إبراهيم العيني قراءتها, وكلّما وقفا على كلمة قال:
ـ شوف إبراهيم ، هذه الكلمة سقطت من اللوح على عمامة السلطان حسن في باب الطاق فحمله الهواء حتى طاف في طول كربلاء وعرضها , وهذه الكلمة سقط حرف من حروفها على جسد الغائب وهو مربوط فحلّق الجذع عاليا.
بعد فترة انتهى محمد زمان من تعليم إبراهيم العيني كيف يعزّم على الحرف ليعثر على قرينه وكيف يصنع مثلّثاتها بالزعفران على خزف طاهر , حتى إن إبراهيم العيني صار عندما يخلو إلى نفسه ويجلس أعلى حجر حفنة يصنع كيمياء غريبة من الكلمات فيجمع ثلاثا ثلاثا ففي أحدى المرات جمع الوهج و السنبك والصيد ونسبها إلى أعدادها ومثلثاتها وعزم عليها , فسقط عن الحجر وقد تحوّلت قدماه إلى حافرين ينهبان الأرض في مطاردة غزالة عمياء
حذّره محمد زمان من أن لا يفعل شيئا إلاّ بأذنه لأنه قد يخطئ في كيميائه العجيبة هذه فيُمسخ حجرا أو حيوانا جريحا أو ربّما جذعا غليظا من التوت . غير أن إبراهيم العيني كان يمعن في مناوراته الفاتنة , وكم كانت تبدو له اللعبة مدهشة حينما يتحوّل إلى ذئب كاسر ويقضي نهاره في مطاردة حيوانات صغيرة ضالة أو أحد الرعاة المنهكين في وادي الأبيّض وكلّما أقترب من ثيابه وزاد هلع الراعي وصراخه زادت غبطته حتى إنه كان يجد في بعض الأحيان مشقّة في مغالبة ضحكته.
ففي إحدى المرات طارد راعيا صغيرًا كان يغتسل على حافة بركة كّونتها السيول التي غمرت الوادي بعد يومين متواصلين من المطر أندفع الراعي المسكين راكضا باتجاه الصخور ليكون بمنجاة عن أنياب هذا الذئب الذي يظهر فجأة وفي المكان الذي لا يمكن لأحد أن يتوقّعه فيه , وقبل أن يصل الصخور وثب الذئب عليه و ألقاه على الأرض. وبعد أنْ لم تعد رئتا الراعي قادرتان على منحه الهواء الكافي لصرخة جديدة استسلم لموته ومدّ يديه باستقامة لتكوّن مع جسده صليبا من اللحم المفجوع منتظرا أن يغرس الذئب أنيابه في رقبته , لكن إبراهيم كان منهمكا وتبدو عليه الجدية وهو يحصي خرزات ظهر الراعي , وكلما اخطأ أعاد الكرّة من جديد حتى يئس من إحصائها . فخرزات العصعص كانت تبدو لفرط اقترابها من بعض حبلا صغيرا, وتذكّر بعد أن ترك الراعي مشدوها وهو يحدّق فيه من دون أن يلمسه إنه سأل نفسه : ما الفرق بين كيمياء الكلمات وخرزات العصعص, هل إنّ كلاهما لا يُحصى ؟ . ثمّ ابتسم بوجه الراعي ابتسامة شاحبة وقال له : هل تريد أن تقذف حجرًا من هنا فيسقط على رأس الكليدار في كربلاء؟.
في أحد الأيام وبينما كان إبراهيم العيني يجرّب كيمياء جديدة , وجد نفسه محلّقا عاليا جدا , حتى إنّه احتاج إلى كيمياء أخرى ليعرف أن النقطة السوداء في أعلى حجر حفنة لم تكن سوى محمد زمان ذاته , واخذ يلوّح بيديه طويلا , ورغم أن محمد زمان كان يتطلّع إليه هو الآخر لكنّه لم يرد على تلويحاته التي ربّما ذكرته بنفسه عندما حمله الرجلان اللذان يصغيان إلى بعضهما إلى الصحراء .
فكّر إبراهيم لوهلة: ما الذي يجعل محمد زمان صامتا ومواصلا تحديقه الممتد وكأنه في مهمة غامضة لاعتقال الفراغ، لا ريب إنه قضى أياما طويلة وهو يصفّ الحروف ليستخرج القوّة التي تكمن فيها.
هبط على قمة الحجر وجلس لصق محمد زمان , وحدّثه بصوت حادّ يشبه الصفير وهو يواصل لهاثه:
ـ لماذا لا تقودك الحروف إلى ما تريد , أليس في الألف ألف باب ولكّل باب خادم سخّره الله لك , وفي الهاء مثلها , والواو أليست الواو ذاتها خاتم الغائب ؟
كان يتحدّث وهو يبالغ في تحريك يديه ليقطع على محمد زمان تحديقه الذي يواصل امتداده إلى نقطة لا مرئية في أسفل الوادي.
كل شيء كان يبدو وكأنه فرّغ من الإشارة.. هذا ما كان يحدسه إبراهيم . هل عاد محمد زمان إلى توحّده ؟ لقد عكف سنوات طويلة يربّي صمته ويشحذ كائناته اللامرئية بصبر وأناة حتى إنّه وجد في نحوله المفرط سببا في مكوثه في مقام الغائب , فلقد كان يخشى أن تحمله تيارات الهواء بعيدًا إذا خرج من دون حقيبته الجلدية التي ملأها بالحبر العفصي والحبر الزاجي وورقا سميكا ممهورًا بعلامة الهلال ودواة من الحجر ومخطوطا عن الأقلام الروحانية للبسطامي كان يستعين به عندما يذهب إلى شفاثة والرحاليّة ليكشف عن العلامات التي دوّنها عابرون غامضون على الحجارة التي تزخر بها الصحراء.
حدّق طويلا في محمد زمان ثمّ قال له وهو يهمّ بالمغادرة : سأذهب إلى خان النخيلة , هناك حيث دخل الغائب في الشجرة ووهب قرّة العين خاتم دانيال.
قال محمد زمان وهو يواصل تحديقه:
ـ إذا دخل الحطاب في الفأس فأدخل في الشجرة ولا تنس أن تمنح عبورك إلى أوّل من يسألك.
هبط إبراهيم العيني في الخان ولمس النخلة برفق حتى أحسّ بحرارة النسغ وهو يجري في عروقها .. ثمّ تطلّع إلى الخان , إلى سقفه المرتفع وقبابه الجصّية وأروقته التي ترك عليها الحجاج والعابرون طبعات لا تحصى من الحناء وآلافا من شرائط القماش الملوّن التي مرّت بقبور الأولياء . تطلّع خارج الخان إلى ظلال باهتة لفلاحين يعودون من حقولهم مع حيواناتهم المرهقة وتكاد ظلالهم لفرط استطالتها أن تذوب مع هبوط الشمس ، ثمّ وضع يده ثانية على النخلة وقال: إنني أمنحك عبوري أيتها العمّة.
من بعيد رأى شجرة التوت , كانت تقف على حافة قرية صغيرة ويفصلها عن أول صفّ من الصرائف منحدر رملي . اقترب منها وكأنه يريد أن يلمس غيابها , وبمجرد أن مسّها تذكّر أنه منح عبوره إلى النخلة وإنه لم يعد قادرا على الرجوع إلى حجر حفنة , أغمض عينيه واستسلم لأشياء كانت تنبعث بطريقة جعلته يهزّ رأسه بعنف ليطردها وكأنه يبدّد قطيعا من الأفكار الضالّة التي وصلت إلى رأسه بمحض المصادفة بعد أن قطعت طريقا طويلا.
لم يفتح عينيه إلاّ على أصوات كانت تختلط بأولى خيوط الظلام , اقتربت الهمهمات منه. كانت لرجال يرفعون فؤوسهم ويسيرون باتجاهه, وحتى حين بدأت أنفاسهم الحارة تلفح عنقه لم يستطع أن يتخلّص من فكرة أنهم حطّابون ضجرون قضوا أعواما طويلة يصارعون جذع التوثة, وعندما أخطأت الضربة الأولى رأسه أراد أن يمنح نفسه للريح ويطير بعيدا. ولكنه الآن بلا عبور.
تمتم مع نفسه وكأنه يحاول أن يقبض على أشياء لا تكفّ عن التحوّل وتواصل ابتعادها عنه وهو يرى إلى الحطابين يدخلون في فؤوسهم .(إذا دخل الحطاب في الفأس فأدخل في الشجرة).
دخل إبراهيم العيني في جذع شجرة التوت وصار جسده يهتزّ مع كلّ ضربة فأس.