هـذا النصّ الذي أريد له أن يتمدّد خارج الأجناس وأشراطهـا. إنه (قراية) بتليين الهمز من (قراءة) بكـلّ ما تدّخره هذه المفردة من بُعد طقوسيّ وتنـوّع وتواصـل وفي أحيان أخرى نموّ وحدات هامشية مفصولة عن المتـن الأصلـي لتشكّـل متنا آخر يقود مسيرة النصّ وعناصره المختلفة تعزّيـا بالقراية (الحسينية) كطريقة في استعـادة الماضي ودفعه إلـى الحياة بقوّة ساطية. لم ألزم نفسي بتقنيات كتابة الرواية كما هي معروفة وشائعة رغم أن العديدين من أصدقائي عدّوا ما توصّلوا به من العمل رواية.
-1-
عندما لا أكون قد متّ بعد، فهذا يعني أنها ليست سوى محاولة انتحار فاشلة.
أحيانا أفكّر في الوقت الذي سيستغرقه سقوطي من الدور (18) إلى الأرض.ربما سأصل بعد نحو أربع أو خمس ثوان. ما الذي سأفكّر فيه؟
هل سيكون الوقت كافيا لأفكّر في أشياء ميتافيزيقية؟
مناماتي مثلاً؟! أو الشاي الذي استغرقَ العشّاب الصيني ساعتين لأعداده في ستوكهولم، كان عشبيا لزجا وثخينا كاللبن الرائب، تطفو على حافاته تويجات زهور كأسية نادرة، أتذّكر أنني قلت لها وأنا أرتشفه ببطء:
- تبدو تويجاته وكأنها صرخات مجمّدة.
لم يكن وصفي دقيقا، لا أعرف حقّا، ولكنني أدرك أن الأمر يستحقّ التفكير بجديّة.
لا أعتقد أنني سأفكّر في أشياء سبق وإن عرفتها من قبل ، أصدقائي مثلا، أو أصص التوليب المجفّف الذي عكفت السيدة (داوس) على تركه قرب الباب الخارجي منذ أحد عشر عاما بصرامة جيل ما قبل الحرب العالمية الثانية.
لا أفكّر في باص 45 أو 22 ولا حتى بنافذتي التي تطلّ على شارع (Veenkade) .
ابن سينا هو الآخر سأحرص على أن لا يسقط معي، سيبالغ في سقوطه وكأنها قضيته هو كما فعل طوال حياته.
الأفضل أن أسقط بهدوء وربّما بحرص يجعلني أستعيد آخر نشرة أخبار سمعتها. بهذا وحده سأحدس أحشاء الهواء وهي تتقشّر من حولي. أريده يوما خاليا من أعياد الميلاد ومن الزيارات المفاجئة.. النزلاء الكثيرون الذين توافدوا على حياتي لن يحتاجوا إلى نسياني، سيكون الأمر مسلّيا تماما. لن يكونوا معي أيضا، أنهم ميتافيزيقيون وضجرون بعض الشيء. ولكن حقّا يجب أن أعدّ قائمة تكفي ليكون سقوطي ممتلئا وحافلا.
إنها 4 أو 5 ثوان، وهو الزمن الذي استغرقني طوال 34 سنة وعليّ أن أختزله كما لو انه آخر طرائدي. إذاً لن يكون الأمر محض محاولة لأفرك بضع ثوان بعبورات جمّة.
جرّبت ذات مرة أن افتح درفتيّ شباك الصالة المطلّ على شارع (الكترا) ووقفت بمواجهته مبتعدا عن الحافة قدما واحدا، أغمضت عينيّ لبرهة، لبرهة واحدة. لم أعد أعرف إن امتدّت خارج نفسها، ولكنني أردتها برهة تكفي لأعرف ما الذي سيكرّر نفسه في تلك اللحظة.
أتذكر أنني شعرت بجسدي منجذبا إلى الهاوية، كنت أميل نحو النافذة متحدّيا تيارات الهواء التي تتدفّق من الخارج باتجاهي وكأنني أعددت نفسي على امتداد حيوات كثيرة لأتحدّى قوانين الجاذبية.
لأبدأ من جديد.. أحتاج إلى أن أصف سقوطي بحيادية وكأن الموت لن يتمكّن من عبوري، أصف الذين سأحملهم معي من الدور 18 في برج السعديات بشارع الكترا إلى الأرض، سيمكثون 4 أو 5 ثوان معلّقين من غيابهم إليّ. في الحقيقة يشغلني كثيرا أن استغرق زمن سقوطي وأنا أحاول ترتيب أطرافي والسيطرة عليها ليكون سقوطاً سويّا، أخشى كثيرا أن يجعلني هذا مبلبلا وغير قادر إلاّ على التفكير بالألم الذي سيدبّ في بدني.
مفاصلي تحديدا، ربّما لأن عليها أن تتحمّل ثقل الأعضاء وهي تواصل التواءاتها وانزلاقات غضاريفها وتقشير الهواء من حولها. لا أريده زمنا يتحرّك بين ألمين، الألم الذي سأحتاج إليه لأختزل مئات الوجوه والأشياء التي أحببتها طوال حياتي لأكتفي بوجهٍ أو شيء واحد، وألم السقوط ذاته..
وربّما تلك اللحظة التي ستتضخّم كلما اقتربتُ من الأرض، تتضخّم على نحو سيجعلني أفقد الوجه والشيء الذي يختزل حياتي كلّها لأنشغل في الاستعداد لمواجهة الأرض.
ستكون لحظة تحفل باللون الأحمر وسيبدأ الأصفر يدبّ من مركزها ليصعد إلى البياض ويضغط على محاجري بقوّة فيسيل أخيرا على مرمشي.
عرفت سقوطا لا يختلف عنه كثيرا في طفولتي. حدث ذلك في (شفاثا)، عندما توغّلنا عميقا في بساتينها حتى أوشكنا بلوغ طرف الواحة الغربي، وهناك وجدنا بركة واسعة محاطة بأشجار الرمّان والنخل.
للآن لا أعرف الضوء الذي يجعل أبي يقودنا مغمضا إلى ما يريد، كيف يصل وكيف يتمكّن من المحافظة على ابتسامته وترتيب وجوهنا في مرآة السيارة وهو يحرّكها ليقبض علينا متلبّسين بالضجر والفوضى وأحيانا بالترقّب، كان يفعل ذلك بسهولةٍ كاملة، بسهولةٍ افتقد إليها منذ يوم 23 أيلول 1988. في البدء شاهدنا حيةً صفراء دقيقة تسبح قريبا من الشريعة، قال أبي ببطء:
- لا تحفلوا بها، ستخرج من تلقاء نفسها، إنها لا تؤذي، ثمّ تناول عصا قصيرة وذهب ناحيتها، وأخذ يحاول رفعها وهو يقول:
- إنها متورّطةٌ تماماً.
وعندما أخرجها أخيرا أمسكها من ذيلها وصار يتفرّس فيها:
- إنّها ليست علويّة.
قال ذلك وهو يبتسم محوّلا نظره إلى أمي التي أردفت:
- عليك أن تتأكد من جنسها أولاً، كما عليك أن تثبت أنها خرجت من تلقاء نفسها.
- ذكر. قال أبي، ولم تحاول أمي مواصلة الحديث بل اكتفت بكلمةٍ أخيرة:
- لن أجعلك تقسم لأصدّق.
نزلنا إلى الماء.. كان يوسف أخي الذي يجيد السباحة يمسك أقدامنا ويغوص متّجها نحو الجهة العميقة من البركة جاعلا إيّانا نُفرغ ما بقي في رئاتنا من هواء بصراخ مضحك.
أريد أن أقول إن يوسف كان يعبث بحياتنا، يعبث بها بأشكال عديدة، ومازال يواصل العبث بي على الأقل.
غيابه الذي لم نعد نتقن تفسيره يجعله قدّيساً معطوبا وعاطلا. بكيت طوال أيّام من فرط غيابه عندما أصرّ عمّي على الاحتفاظ به ليكون ابنا له، وكم تحدّثت إلى أبي من أجل أن نستردّه، إلاّ أنه كان يردّد بلا انقطاع: عمّكم بلا أبناء، لم يرزقه الله بابن، ويوسف سيكون ذلك الابن الذي انتظره طوال حياته.
إنّها بهجة زائفة، سعادة ضالّة، هذا ما كنت أواجه به يوسف عندما يأتي لزيارتنا يوم الخميس وهو يحاول أن يجعلنا نشعر بما يشبه الذنب، ليس لأننا فرّطنا به، بل لأننا لم نفعل ذلك من قبل.
كان يعبث بي، وعندما بدأت أتصالح مع فكرة أن يوسف بدأ يتحوّل من كائن يشاركني حفر أنفاقي السريّة في مناماتنا المضطربة أثناء حرب الخليج الأولى، إلى محض ابن عمٍّ يزورنا من أجل مواصلة تعذيبنا بلا هوادة، صرت أقف بعيداً، والأحرى بدأت أعكف على نفسي، ومنذ ذلك الوقت فضّلتُ الإقامة في بستان (الجريّة) مع أختي طوال الوقت بذريعة غياب زوجها الذي تمّ تجنيده في الحرب.
كانت قد مرّت أربعة أشهر على غيابه وشهران على مكوثي في البستان، عندما سحبني يوسف من قدمي واتّجه بي إلى القاع في بركة شفاثا.
قرّرت أن أحتفظ بما بقي من الهواء في رئتي ولا أطلقه في صيحة مضحكة، وبمجرّد أن غمرني الماء قرّرت أن أمكث فيه، إلى أن أموت برئة ممتلئة.
انقدتُ بسهولة مع حركة يده وجسده حتى شعرت بالطين الزلق يتسلّل بين أصابعي ثمّ بركتُ بهدوء، كنت قد حرّرت نفسي من يده بانقيادي الكامل لعبثه، وبعد لحظات شاهدت وجها يفترع ذرّات الرمل وأحشاء الماء وفتيت الأشنات الدقيقة، اقترب مني مبهورا أوّل الأمر ثمّ واجهني تماما ورمقني بعينين واسعتين خلال آلاف الكائنات الدقيقة السابحة، ثم رفع عودا صغيرا وأخذ ينبش القاع ببطء.
كان يوسف، ولكنه لم يكن يريد أن يعبث بي هذه المرّة، أراد أن نكفّ معا عن حياتنا، كان يبدو مبتسما وهو يواصل نبش القاع وكأنه يطعنه في نخاعه.
كنّا نتطلّع إلى بعضنا بصمت عندما شعرت أنّ ما بقي في رئتي من هواء يكفيني لموت آخر، أردت أن أبتسم وأن يبتسم يوسف أيضا لنموت كراشدين سعيدين وناضجين.
هذا ما شعرنا به: أنّنا ناضجان بالقدر الذي يكفي لنموت مغمورين بالماء.
-2-
وأنا أتأرجح باتجاه الهاوية شعرت بتيارات الهواء تدخل، تلفّني لمرات ثمّ تدفع بي ببطء إلى الخارج، حدست أنها رماديّة، تيّارات رماديّة، إنها رمادية، أطرافها تأخذ هيئة يد بيضاء كبيرة، عندما تأكدتُ من أنها أحكمت تطويقي، صارت تحاول التسلّل إلى أحشائي من فتحة السرّة المندثرة.. ارتجفت، وشعرت لوهلة بالبرد يصّاعد حتى ينبعث غليظا وكثيفا من أنامل يدي اليمنى.. يا إلهي.. كانت يدي تشير إليّ ولا تقصدني.
هل دخلني الموت من يدي؟ يدي التي أردتها أن تمسك درفة الشباك لتعرقل سقوطي؟
تصلّبت أصابعي وتعامد جسدي على بعضه وانتفخت رمانة كتفي.
إنّه الهواء الرمادي، لقد بلغها أخيرا، دخل أوداجي ومحجريّ عينيّ وصدغي وأعلى الجبهة، دخل عميقا في إبطي وأخذت اليد البيضاء الكبيرة تدفعه باتجاه صدري وبطني، وأخذ يهبط ببطء على ظاهر فخذيّ حتى بلغ ركبتي. ثمّ بدأ ألعابه الغامضة. يدخل في صابونة الركبة ويدفعها للأعلى ثمّ ينزل بها بقوّة إلى الأسفل باتجاه عظم الساق حتى شعرت بأربطتها تتقطّع وبصريرها الخشن يتناهى إليّ.
ارتفعتْ ثانية ثمّ سكنت، توقّفت في مكان ما من عظم الفخذ، حبست أنفاسي. كانت تحرث اللحم من حولها، تشقّ النسيج العضليّ بتؤدة وصبر.
يا الهي، ستهبط ثانية، ستهبط، ستهبط..
ضيّقتُ فتحتيّ عينيّ وأدرت رأسي باتجاه الحائط وأنا أصرّ على أسناني، ثمّ أخذت أتفرّس في لوحة (عبور الكائن إلى عدمه).
ستهبط..
حبستُ أنفاسي وصرتُ أرمق الأزرق. هل كان أزرقاً حقّا، عندما انتهيت من توزيع مزيج الرمل والجبس والغراء النباتي على السطح فكّرت بتضاريسه، أردته سطحا مضرّسا، عالجته بالسكّين في اتّجاهات متقاطعة ثمّ غرست أسنانا مشطيّة في أعلى طرفه الأيسر وهبطتُ بها إلى الحافة الأخرى، وعندما بدت حبّات الرمل ناتئة وخشنة، وضعت مزيج (الأكريلك ( والغراء والجبس وطمست المساحة الخشنة حتى بدت صافية. عالجتها بضربات قصيرة وحادّة.
تركت اللوحة وجسدي ينزّ العرق وخرجت على عجل إلى شارع (هيرين سترات)، لم يكن المطر قد انقطع منذ ثلاثة أيّام والريح الساطية تجعل البرد لا يضلّ طريقه إلى أحشائي. كنزتي بلا أكمام وبنطالي بالكاد يغطّي ركبتيّ، وقبل أن اقطع الشارع، شعرت أنني لا يجب أن أعود. لن أعود قبل أن أحدس هذا الدبيب، دبيب أزرق هذه المرّة، حركة، آه، حركة، حركة عقلية، كما كان يسمّيها أبو حيّان التوحيدي، حركة تحدث في النفس أو في العقل، لم أعد أتذكّر، ولكنّها حركة تصعد وتهبط تماما كما لو أنها بندول بحجم مدينة كاملة يوزّع الزمن لينجو من نفسه.
كيف يتحمّل الزمن نفسه؟
كيف يدّخر الوقت في أحشائه؟
كيف يوزّع غواياته على الجميع وينجو منها؟
كيف ينجو من نفسه؟
-3-
ـ هل جرّبت أن تنجو من الموت مرّتين؟
ـ وهل سيختلف الأمر من مرّة إلى أخرى؟
ـ سيكون مختلفا، لأن الموت لا يمنح لفشله فرصة أن يعبر معه من جسد إلى آخر ومن محاولة إلى أخرى.
ـ سيكون مختلفا، لأن الموت لا يمنح لفشله فرصة أن يعبر معه من جسد إلى آخر ومن محاولة إلى أخرى.
ـ وماذا لو قلت لكِ أنّني نجوت لمرّتين؟
ـ سيكون أقرب إليكَ في المرة القادمة، وقد لا تنجو.
ـ ولكنني بالفعل نجوت في الثالثة.
ـ إذاً لم تعد لديك حظوظ أكبر، سيوقع بك، وسيعمل على أن يصلك سريعا ومباغتا ودون أن يمهلك فرصة لتموت مبتسما كما تريد.
في المرّة الأخيرة قلت لها:
- أحبّ الراء في اسمك، أحيانا أشعر أنه احتاج إلى أن يمرّ بكل صور الحروف ليكون راءً، وأن يجرّب جميع الأسماء ليجدك.
وكعادتها كانت تعبث بإبريق الشاي، وأحيانا بأصابعها وكأنها تفهرسها، أو تعيد ترتيب مكعّبات السكّر بصرامة هندسية. رفعت رأسها ببطء لتواجهني بشحوبها العريق الذي أحبّه، و قالت:
- ولكنك لن تنجو في المرة القادمة .
- 4-
الكرسيّ تضريس جسديّ..
الكرسيّ الذي أقف على حافته العريضة وأواجه النافذة المفتوحة على بعد قدم من الهاوية وعل بعد 5 ثوان من سقوطي بكائناتي المعلّقة من غيابي إلى الرصيف المقابل لشارع الكترا. ربّما ستدفعني تيارات الهواء مترا أو أكثر قليلا، ولكنها ستدفع كائناتي مسافة هائلة لتجعلني أمعن في عزلتي ولتجعلهم يتبدّدون في الهواء.
لن أنجو أيّها الراء في المرة القادمة.
الكرسيّ يأخذ هيئتنا، والأحرى يجب أن أقول أنّنا نأخذ هيئته. عندما نجلس على الكرسيّ فإننا في الحقيقة نكرّره، نتخلّى عن عموديّتنا باتجاه روح الكرسيّ التي تكمن فينا، وعندما نكرّره فسوف نكرّر كائنا آخر يتخلّى عن عموديّته أيضا، وهكذا ننتهي إلى أن نكون كرسيّا حيّا، شاسعا وأبديا.
ولكن منْ قاد الآخر إلى مشاكلته؟ هل قادنا الكرسيّ إليه في سياحة جسديّة تخلّينا فيها عن عموديّتنا لنعبر إليه مبتهجين بسعادة الجلوس؟ أم قدنا الكرسيّ إلى هذه الهيئة بعد أن منحناه
تضريسنا الجسدي؟
أفكّر فيه كثيرا، أفكّر في السبب الذي من أجله لم تتغيّر وظيفة الكرسيّ عبر تاريخه الطويل، وربّما هذا ما قاد معبّري الأحلام إلى النظر إليه بين أن يكون دالاّ على الفوز في الآخرة أو من دلائل السوء وسقوط الجاه، وحتى الموت.
معبّرو الأحلام هم المعالجون النفسانيون لعصرهم. كانوا يدفعون اللغة والأفكار إلى مناطق تأويلية حرص الجميع على تجنّبها، إنّهم يتعاملون مع نصوص ودلالات ينتجها اللاوعي، ومن أجل هذا فإنهم يحتاجون إلى طاولة هائلة يمدّدون عليها الكلام والنصوص ليبدءوا في نبش أحشائها واستخراج ما يكمن فيها.
هل كان ابن سيرين يجلس على الكرسيّ وهو يقلّب دلالاته في فصل مثير؟
- (منْ أصاب كرسيّا أو قعد عليه فأنه يصيب سلطانا على امرأة)، ما رأيك؟ بل لأكن أكثر وضوحا وأقول ما رأي الراء ؟
قلت ( الراء ) وأنا أحاول أن أجعلها تبدو راءً مديدةً، راءً لا يمكنها أن تكون في غير اسمها.
- الراء، الراء، راء الكرسيّ وراء ابن سيرين، وراء المرأة، أي الراءات تعني؟
- اعني الراء في اسمك والذي يبدو في انحناءته العريقة ككرسيّ هو الآخر.
- آه رائي، رائي أنا.. وليست راؤك، راء الرجل، إنها تبدو بليدةً وكسولةً، وأحيانا لا تعني
نفسها، راء الرجل بلا رائحة، لا أحبّها.
- وهل يمكن لهذه الراء الخاملة والكسولة أن تصيب سلطانا على راء المرأة؟
- هذا ما أريده.
قالتها وهي تمدّ أصابعها باتجاه ساعتي، وببطء أفلتتها من معصمي وأخذت تتفحّصها وهي تتابع:
- لا راء في الساعة. هذا ما يجعلها تبدو آلةً ساكنةً وبمجرّد أن نمنحها الراء فأنها ستدبّ بلا هوادة حتى آخر لحظة في حياتها. (العقرب) عقربا الساعة، بل عقاربها، كلّها تدبّ بإتقانٍ حتى لا نرمقها بغضب. أفكّر أحيانا أن الراء ليست في أصل مفردة العقرب، ربما كانت (عقب) والعقب قد تكون ظرفا دالا على الزمان أو من التعاقب أو مما يتولّد عن الشيء، وكلّها دلالات زمنيّة. ألا تراها كذلك؟ ربمّا أرادوا إفساد متعتك فأدخلوا الراء على العقب ليدبّ بلا توقّف.
- كان جدّي يقول أن العقرب أعمى، والجزء المبصر فيه هو خرزته السابعة.
- هل ستقول لي من أجل ذلك فأن كلمة عقرب وُضعت لنستدلّ من خلالها على عماء الوقت؟
- بل أقول أن ابن سيرين يرى النساء كالكراسيّ..
قلت ذلك وأنا أحاول أن أبدو لا مباليا، فأجابت وهي تلوّح بساعتي في اتجاه الأرض:
- نعم، النساء كالكراسيّ، كراسٍ في ذاتها، كراسٍ تبصر نفسها، كراسٍ تثني ركبتيها ليسقط راء الرجل.. من أجل هذا سأثني ركبتيّ لتسقط.
وسأسقط أنا أيضا، من أجلي هذه المرّة، لا من أجلك.
-5-
فكّرتُ بالفلكيّ. أريده أن يكون معلّقا من غيابه هو الآخر وأنا أقشّر الهواء من الدور 18 إلى الرصيف المواجه لبوتيك طيّبات للأزياء، أريده معي.
منحني أبي اسمه وأنا في السادسة وصرت منذ ذلك الحين (سلوان).
كان أبي يتعقّب أشجار (الرول) التي يفضّلها عندما أخبره عمّي بموته في حادث سير. طوال أسبوعين رفض أبي أن يتكلّم في شيء، بل رفض كل شيء وأحكم خلفه باب العليّة وجلس يتصفّح مئات الصور التي تجمعهما منذ أن كانا يحترفان الهرب من الجيش في حداثتهما.
قرأ رسائله كلّها وكانت بحجم مجلّد سمكه نصف متر. وعندما خرج أخيرا؛ صار يناديني سلوان. قبلت الاسم بسرعة من أجل أن أختفي. هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلني لا أتردد في قبوله، وهذا ما حدث أيضا، فلقد صرت أختفي طوال اليوم عن أنظار أخوتي وأمّي،لم يكن يراني سوى أبي. كان جسده يزخر بكيمياءَ تجعلُ الهواءَ ينحسرُ عن كائناته.
أدخل الغرف المظلمة واقلّب العتمة كما لو اقلّب أصابعي وأقضي طوال ما بعد الظهر أصفّ الجناسات والتشبيهات التي تثير فيّ رغبة الاختفاء عميقا فيها. أختفي في جِناسٍ كثيفٍ حتى لا يكتشفني يوسف وأنا أحصي خرزه الملوّن الذي يخفيه في أقنان الدجاج، أو ألاحق بدأب تشبيهاً مريضاً لأجعله ينجو، من أجل هذا أيضا كنت أصدّق أبي عندما يقول إن من كان اسمه يوسفَ يجب أن يكون غافلا وشاردا ونحيلا أيضا إن تطلّب الأمر، أما أنت فلا يجب عليك أن تكفّ عن غيابك.
سلوان كائن لن يكون حيّا إن جعل الأعراض الغليظة تعرقله عن غيابه.
ذات يوم ظهرت في الصالة وفاجأت أختي وهي تتطلّع إلى صورةِ رجل في يدها، لم ترتبك، فقط ابتسمَتْ ثم أخذت تتراجع وهي تقول:
- لا أحد سيصدِّقُ الغائب.
وكانت تلك المرّة الأولى التي بدأت أكتشف أن الغياب سيّءٌ أيضا. وقبل أن تدخل غرفتها ابتسمَتْ ثانية وقالت باقتضاب:
- قال لي في آخر مرّةٍ، أريدُ أن أكون مجهولاً وغنيّاً، ولقد حقّقتَ أمنيتي الأولى، بقي أن أحقّق الأخرى.
ابتسمَتْ أيضاً.
وغبتُ.
-6-
اختفيت ليومين وعندما ظهرت في الباحة الخلفية بدت أمّي غير مكترثة، بل وأكثر من هذا سألتني:
- هل بدأت تعجز عن الاختفاء؟
أغيب أحيانا من أجل أن أتفادى قوّة الحضور وجوهره الكثيف، ومرات أغيب عنّي. أختفي، وبلا مقدمات انتشر حولي من أجل أن أبدو كثيراً ومفاجئاً كفرقةٍ من المظليين لأطارد دجاجات أمّي الفزعة أو القطط الضّالة، وقد أرمي المفتاح في البئر وهي فرصة لم أكن أدعها تمضي دون أن أكرّرها لمرّات، وفي كلّ مرة أهبط فيها البئرَ، أستخرج نقوداً قديمة وساعات عاطلة وخواتم صدئة، وذات مرّة وكما لم يحدث مع أبي الذي طالما هبط البئر ونقّب في غيابتها، اكتشفت عجلة خشبية ثقيلة، ظننتها لأول وهلة سكّان سفينة، ثمّ بعد أن بدأ رجال قرية "الدويهية" يسحبونها إلى الخارج، من عشرات الحبال التي صارت تخرج منها باتجاهات مختلفة بدا الأمر وكأننا أمام عملية القلب المفتوح، وصرت أميل إلى رأي عمّي الذي قال أنها بكرة منجنيق هائل. وبعد ساعات استخرجنا العتلة الثقيلة من البئر بعد أن اضطرّ أبي إلى توسيع فوّهتها ثلاث مرات. ثمّ قال بعد أن رمقها طويلا وقلّبها بمساعدة رجال لم أر بعضهم قبل هذا اليوم:
- إنها عجلة عربة آشورية.
ثمّ استدرك ونظره مازال مثبّتاً على العتلة:
- عربة آشورية ضالة.
وأردف بعد لحظة أخرى:
- عربة هائلة تكفي لفصيل بكامل اعتدته
وهنا تطلّع إليّ بزاوية عينه، وقال:
وبكامل غيابه أيضا.
-7-
أين ينفث سحرة "شير فضّة" البِيض سحرهم؟
هل ينفثونه في الذات أم في الاسم؟ وهل إذا دخل الاسم في ذاته سيعبر إليه السحر ويحلّ الساحر فيه ويبدأ تحوّلاته؟
لم يكن أسلافنا يفرّقون بين الاسم والذات وهذا ما كان يجعلهم يتّخذون أسماء كثيرة، أسماء يُعرفون بها داخل الوحدة القرابية وفي بيوتهم، وأسماء أخرى ليست حقيقية يشيعونها بين الناس ويحرصون على أن يعرفهم بها السحرة. عندها لن ينفع السحر في أبدانهم ولن يتمكن الساحر من الحلول فيها وممارسة تحولاته.
الأمر يختلف عندما أحاول أن أتعقّب سيارة حمراء من نافذتي المفتوحة أو أحصي السيارات التي تواصل انطلاقها من شارع الكترا إلى شارع السلام أو باتجاه النادي السياحي رغم أنّ الإشارة الضوئية تحوّلت حمراء هي الأخرى.
أراقب حيرة المارة وهم يناورون طويلا ليتمكنوا من العبور.
لتكون ساحرا حقيقيا، بل وحقيقيا جداً في مكان كـ "أبو ظبي" ينفتح على بعضه طوال الوقت عليك أن لا تفكّر في أن تكون من المارة لأنك بذلك ستكتشف أن سيارة حمراء ستوغل في ملاحقة أسمائك كلّها حتى تحصرها في اسم واحد، وملاحقة ذواتك حتى تختزلها في ذات واحدة، وعندها ستكون مكشوفا فتحلّ في بدنك وتبدأ تحوّلاتها، وبعد أيّام ستعتاد على أن تستيقظ من أعماق نومك مهجوساً، ومنطوياً على نفسك في وضع جنيني وأنت تردّد بلا توقّف:
- هل كانت حمراء حقّا؟
-8-
حمراء، دخلها سحرة شير فضّة البِيض وصاروا يعبثون بها. يحرّكون أعدادها ومثلّثاتها حتى تصبح وعلاً برّياً مُطارداً ومستفزّاً ثم يدفعون به إلى الهاوية.
كانت تحرص دائماً على أن تحتفظ برائحتها بعيداً عن متناولنا، تأتي بخفة من الدوام، تدخل غرفتها وتوصد الباب بإحكام ثمّ تقضي ساعة في تخليص ملابسها من رائحة جسدها. وبالأحرى كانت تضلّل رائحة جسدها، أو لأقل تضلّل السَّحرة حتى لا يواصلون تفريغ رائحتها في زجاجاتهم وموادهم الغامضة.
كانوا يستعملون نوعاً من العبير المرّ، يخرج من أنابيق بأعناق طويلة وملتوية تتخلّله فلاتر حمراء وزرقاء، ثمّ يرشّون مسحوقاً أصفراً تذكّرني رائحته برائحة زهور اللقاح. وعندما لم تتمكّن أخيرا من تضليل آلاتهم وأنابيقهم وتعزيماتهم على الجنّ من عمّار غرفتها، فتحت المرأة ذات الشال الأحمر شباكها الواسع بعد أن بخّرت الغرفة بالحرمل والعفص البرّي ثم خرجت.
ومنذ ذلك اليوم لم يرها أحد، ولكن ظاهرة انتحار الوعول الحمراء النادرة في قرية "النواويس" إلى الغرب من كربلاء جعلت السحرة البيض يخرجون عن صمتهم ويؤكدون أن الوعول الحمراء ليست سوى المرأة التي عكفت طويلاً على تضليل رائحتها. وستستمرّ عمليات الانتحار الجماعي حتى تصبح عاريةً إلاّ منها ومكشوفةً كمدينةٍ تخلّصت من أسوارها. عندها ستسقط من تلقاء نفسها في فخاخنا، ليس كطريدة صعبة..
بل كامرأةٍ حمراء.
-9-
مازال السقوط يحتفظ بوظيفته وعاداته ذاتها التي لازمته منذ أن هبط الرجل الأول، واحتفظ كذلك بمهابته التي تتمدّد كلّما أمعنَّا في ارتفاعنا وابتعدنا عن نقطة الوصول.
حدّقتُ ثانيةً باتجاه المكان الذي سأصله بعد 4ـ5 ثوان، وبدأت أشكّك في حساباتي السابقة!
في الحقيقة ستكون النقطة أبعد من الخطّ القرميديّ الأحمر بنحو مترين أو ثلاثة أمتار، وإذا ما تعرّضتُ إلى تيّارٍ هوائيٍّ مباغت فقد أبلغ شارع الكترا أو حافته التي تواجه متجر الأقمشة، وحين بدأ جذعي يتخلّى عن استقامته وينحني صوب هاويته وصارت صابونة ركبتي تضغط بقوّة على أعلى عظم الساق..
سقطتُ.
كنتُ أرتدي معطفاً مطريّاً تجعلني أزرارهُ الدقيقة والمخفيّة بإمعان أتخلّص منه بعد توقّف المطر بنحو ساعةٍ كاملة. لم أتطلّع إلى أبي كما قرّرتُ أن أفعل، بل سقطتُ وكأنني أباغتُ نفسي. سقطتُ، في بئرِ "السوادة" دون أن أثني ركبتي وبمعطفي المطريّ الذي لم أعد أتذكّر منه سوى عذاباتِ أزرارهِ التي لا تُرى.
كنّا قد وسّعنا فوهتها لنستخرج عجلة العربة الآشورية الضالّة وصار قُطرها نحو ثلاثة أمتار.لم أشعر بكائناتي معلّقةً من غيابها إلى جسدي، لم يكن سوى أبي، وكان يراقبني دون أن يتخلّى عن عادته في الإشارة إلى كل شيءٍ يتحرّكُ حوله. بلغت الماء منطرحاً على بطني وشعرت وكأنني أسقط على حجرٍ أبيض، أبيضٍ تماماً، حجرٍ لا يمكنه إلاّ أن يكونَ شبيهاً ببياض جبال "محضة" عندما تكون إلى يميني وأنا في طريقي إلى "مصفوت" منطلقا من الشارقة.
هل الشدّ السطحيّ في الآبار هو ذاته في الأنهار التي نعبرها لمرّات؟.
عندما بدأتُ أفكّر بالعجلةِ الخشبية للعربةِ الضالّة، بالنحاس الذي يدعم حوافها، بأضلاعها القاسية وهي تلتقي في نصف القطر حول بكرة محفورة بإتقان، أفكّر بالعربة ذاتها، بسائسها وخيولها، بالجنود واعتدتهم والزّرد الذي يغطّي أبدانهم، بآلاتهم وصراخهم؛ رفعني أبي وقبل أن أتمكن من الكلام قال بلهجةٍ تبدو ساخرةً لمن لا يعرفه:
"عليك أن تتذكّر أنها ليست الطريقة الوحيدة لتتخلّص من أزرار معطفك."
-10-
البئرُ فقدٌ
كيف أُحصيها..
في (زبيدات) شعرتُ أنّ كلّ بئرٍ نعكفُ أيّاماً على حفرها لم تكن في الحقيقة سوى محاولةٍ للوصول إلى اللحم الحيّ في أحشاءِ الأرض، إنّنا ننبش الأرض، نقلّبها بمعاولنا ومجارفنا وحاجتنا إلى فقدٍ مُضاد، وفي اللحظة التي تبدأ تتكثّف وتتماسك، ثمّ وفي بغتة تلين، نعرف أننا بلغنا عصبها الحيّ.
نرفع معاولنا المشحوذة بحقدٍ لامعٍ ونهوي عليه، فينزّ ماؤه.
البئر مفردةٌ مؤنثة، مؤنثة لأنها تشاكل العضو التناسلي -أنثوي تحديداً- وكلّ دخول في البئر هو في جوهره كناية عن جماع رمزيّ. هذا ما حدسته في البدء عندما رأيت صديقي (خديدا) في جبهة زبيدات ونحن ندلّيه إلى البئر من أجل تعميق نقطتها.
كان يتمتم بتعزيماتٍ وأدعيةٍ هي ذاتها التي يردّدها عند جماع نسائه العديدات، كما كان يقول:
- إنها تعزيمات أدفع بها الوهن وأسبابه.
كانت ضرباته التي تتعاقب بوتيرةٍ واحدةٍ تُفشي أسراره كلّها، تفشي عدد نسائه وأولاده، تفشي مطاردته الدبَّ الأملح على امتدادِ أودية (دهوك) قبل أن يسقطا معاً في حقلِ ألغامٍ تركهُ (الأتراك) خلفهم سفح جبلِ سنجار.
كانت رائحة عرقه ترشده ليعرف أيّ من نسائه سيحرثها في ذلك اليوم.
- "لابدّ أن تصدّقوا، عليكم أن تفعلوا ذلك.. انه جسدي، جسدٌ يقودني إلى نسائي منوّماً، رائحته هي التي تدفعني. أحياناً أكون في حقل الذرة، وأحياناً أخرى نائماً، وبغتةً أجدني راكضاً كما لو كنتُ مطارداً من قطيعِ ذئابٍ شرسةٍ إلى سرير إحدى نسائي. إنّه جسدي وعليكم تصديقي، فلم يخذلني من قبل أبداً..
لكلّ عرقٍ امرأته.
وذات يوم كانت الرائحة تدفعني راكضاً إلى امرأتي الآرامية (هكذا أطلقت عليها بعد أن تاهت في البرية لأسبوعين)، وتكرّر الأمر لأربعين يوم، لا أركض إلاّ باتجاهها ولا أحرث سواها من نسائي. كانت تعدّ نقيع الحلبة بالحمّيض وماء البنجر وعروق المستكي وتسقيني بفمها. يا الهي.. كانت تحرص على طلاء شفتيها بعسل زهر الداوودي بعد كلّ رشفة حتى تتسلّل الحلاوة إلى النقيع المرّ عندما أمصّهما. كنت قد انتهيت من آخر رشفةٍ قبل أن تهجم نسائي علينا ويخرجن الآرامية إلى البرية. طاردنها حتى مشارف سهل (نينوى) ثمّ قمن بتضليلها في غابات الجوز الخطرة، وعُدن مبتهجاتٍ إلى عرَقي.
بحثت عنها طوال أيام. سألت سائقي الشاحنات القادمين من الشمال ومفارز البيشمركة ومهرّبي الأسلحة والقرى التي تدبّ في الجبال، دون جدوى. ولم أتوقّف إلاّ عندما اعترفتْ أصغرُ نسائي في يوم عرَقها أنهنّ ضلّلنها في غاباتِ الجوز.
أحبّك أيّتها الآرامية.. كانت امرأةً من عبيرٍ مُرّ.
وفي يوم ما، قادني عرقٌ بارد ومالح -ذكّرتني رائحته بحساءِ أسماك الأنهار العذبة- إلى فراشِ امرأتي ابنة الحطّاب التي تعرف مسالك غاباتِ السبيندار والبلوط والكستانيا من (السليمانية) حتى (دهوك). كانت تقول أنها لم ترَها من قبل أبداً، لم ترها حتى في مناماتها البعيدة، كانت من قبيلةِ حطّابينَ جاءوا إلى دهوك من الجنوب صعوداً مع دجلة في قواربِ وأكلاكِ البطّيخ التي أفرغت حمولاتها في بغداد والكوت. ولكن ما إن نصل إلى الغابة حتى تنهض فيها ذاكرةُ أجدادِها الذين أتلفوا أجيالاً من البلطات الإنجليزية الحادّة في هذه الغابات.
ماذا أقول، لا أعرف حقاً!
كان عرقي بارداً ومالحاً، ولكنني أحببتُ رائحةَ إبطيها. كانت تترك شعرهما شهوراً ثمّ تفتله بزيت الآس والقرنفل واللبان العطري، أما شعر عانتها فكانت تذرّ عليه طحين جوز البوّة، وما إن أدنو منها حتى تقول:
- هل ستصل اليوم إلى نقطتي؟ أريدُ لعرَقكَ الذي قادكَ إلى جسدي أن يسيل من نهديَّ حتى عانتي، أن يحرق نقطتي، يحرثها، يدخل فيها عميقاً كالأعمى الذي يدخل تلمّساً إلى الكهف.
هل أقولُ أنني ما إن تفرّستُ عميقاً في عينيها وملّست على جسدها حتى جفَّ عرَقي وما عاد يهطل على نقطتها، جفّ تماماً. هذا ما حدث، استلقيت على ظهري إلى جانبها وأخذت أحدّق في السقف ببلاهة، لم أمرّ بمثل هذا، إنه عرقها، عرق امرأتي ابنة حطّابي غابات دهوك.
بغتة جفّ عرقها.
هل أقولُ أنني ما إن تفرّستُ عميقاً في عينيها وملّست على جسدها حتى جفَّ عرَقي وما عاد يهطل على نقطتها، جفّ تماماً. هذا ما حدث، استلقيت على ظهري إلى جانبها وأخذت أحدّق في السقف ببلاهة، لم أمرّ بمثل هذا، إنه عرقها، عرق امرأتي ابنة حطّابي غابات دهوك.
بغتة جفّ عرقها.
تنفّستُ عميقاً وأغمضتُ عينيّ على صوت زفيرها الغليظ ورائحةِ طحين جوز البوّة الحاد.
ثمّ بدأ عرَق الآرامية ينزّ بغزارة.
عرق الآرامية، امرأتي التي من عبير مُرّ. امرأتي التي تاهت في غابات الجوز في سهل نينوى. امرأتي التي لم تمت بعد.
هذا ما رددته لمراتٍ بصوتٍ خافتٍ أوّل الأمر، ثمّ أخذت أصرخ: عرَقُ الآراميةِ التائهة.. لم تمت.. لم تمت بعد!
ثمّ خرجت راكضاً يقودني عرَقها عبر السفوح والأودية، وأحياناَ عبر حقول لم تُحرث بعد، مليئةٍ بالعاقول والحسك. ركضت لساعات في طرق لم أعرفها ولم أسمع بها، كنت أركض مدفوعاً بعرقها الذي مازال ينزّ رائحةَ امرأةٍ تاهت في غاباتِ الجوز الخطرة. حتى قادني إلى جبلٍ أعزل، تسلّقته راكضاً، راكضاً فوق فخاخِ الدّببةِ والثعالب وفوق شظايا الأحجار العارية. عبرتُ مسالكه التي قال عنها الجغرافيون) : إنها تقود إلى بعضها في دائرةٍ لا يعرفُ طرفيها إلاّ الله). كانت تتكشّفُ أمامي وتتفتح.
هل تصدّقون أنني لم أتوقّف عن الركض حتى شعرت بنفسي منتشراً على سفوحه الحادة، وأن كلّ شيءٍ في الجبل كان يقودني إلى قمته التي لم يبلغها أحد بعد.
وهناك، رأيت امرأتي الآرامية. امرأتي التي من عبير مُرّ. رأيتها بذات الثوب الذي طاردنها فيه نسائي، كانت تتطلّع إلى الهاوية وهي تقف على حافتها. وحتى عندما صرخت: (أيتها الآرامية)، فإنها لم تفعل أكثر من أن قالت:
- قادك عرَقكَ إليّ، أليس كذلك؟
لم تكن قد نظرت إليّ بعد، وعندما استدارت نحوي كانت تمسك عصا جوز، وصارت تنبش الأرض وكأنها آخر مهمة حقيقية عليها القيام بها. تناولتُ عصا، وأخذنا ننبش ساقَ نباتِ حرفٍ برّيٍّ بهدوءٍ كما لو كنّا نتمتع بتعذيبه.
كان الهواء رمادياً، رمادياً تماماً، يدخل بين أصابعنا ووجوهنا وهو يحمل كائناتِ دقيقةِ تسبح ببطء، نظرنا إلى الهاوية..
- أيتها الآرامية، أريد أن نموت كراشدَين سعيدَين وناضجين.
ألقت العصا، ثمّ تفرّست في عينيّ طويلاً ورفعت سبابتها إلى شفتي السفلى وفركتها، ثمّ هبطت بها إلى عنقي، تسلّلت خلف أذني وهبطت إلى صدري، داعبت شعره بأصابعها الخمسة هذه المرّة، وعندما بلغت الحلمة توقّفت لبرهة قبل أن تهرسها بقوّة.كانت تأسرني بقوّة النظر. لم تكن قد حوّلت عينيها بعيداً. تركتْ أصابعها تنزلقُ أكثر. نزَّ عرَقها ثانية. عرق الآرامية، عرقُ امرأتي التي من عبيرٍ مُرّ.
استيقظ بدني.
البدنُ الذي يركض بنا طوال حياته، يقودنا إلى فصيلِ "الهاوِنات"، ثمّ يعود حاملاً الأرزاق وقناع الغاز و"السّفري" والخوذة. أو راكضاً خلف سيارةِ الإيفا (Eva) أو كاز 66. البدن الذي يصلّ حين نمشي وكأنه ميدالية هائلة دبّت فيها الحياة فجأة. البدن الذي يركضُ بنا إلى الشقوق والملاجئ الخفيضة. البدن الذي يصفّ أشلاء أصدقائه في أرهاطٍ كثيرةٍ قبل أن يعيد تشكيلها، وغالباً ما تكون النتائج مضحكة. أريدكم أن تدركوا أنه يفعلُ ذلك كلّه وهو ساكن ومحايد.
الآرامية.. امرأتي التي نزَّ عرَقها مرّتين في ذلك اليوم جعلَته يرى إلى نفسه، جعلت بدني ينزلُ إلى نفسه ويوقظها.
هناك بدنٌ آخرٌ يكمُن في بدننا. بدنٌ نركضُ به إلينا. وحدها الآرامية نبشته كما تنبش جذور نبات الحرف البرّيّ ودفعتني إليه.
هل يمكنكم أن تتخيّلوا كيف يمكن لأحدنا أن يجد نفسه مدفوعاً إلى بدنه؟
- عرَقك قادك إليّ.. إنه عرقك. كانت تردّدُ وهي تغرس أصابعها بين فخذيّ.
- إنّه عرَقكِ أيتها الآرامية.
وعندما قبضتْ عليه. تسلّلتُ خارجي، تركتُ بدني يُحدّق في الهاوية المطلّة على سهل نينوى. أخذتْ تفركهُ وهي ثبّت عينيها فيَّ بينما كنتُ أحاولُ من مكاني الذي قادني إليه عرقها أن أحصي أشجار السبيندار التي تتلامح في السفح.
- إنّه عرَقي إذاً .. عبيري، عبيري المرّ.
كانت كلماتها تخرجُ خلال شهقاتٍ قصيرةٍ وحادةٍ وهي تواصلُ فَركه.
- هزّي إليك بجذعِ النخلة. قال لها بدني وهو يناورُ ليدخلَ تلمّساً في نفسه.
- هزّي إليكِ بجذعِ النخلة. قال لها بدني أيضاً.
- هزّي إليك. وصارَ ينهضُ في نفسه.
لم تكن قد حوَّلت عينيها عنّي، ثمّ قالت امرأتي التي هي من عبيرٍ حيٍّ وهي تسحبُ يدَها وتتّجه صوبَ الهاويةِ بلا مبالاة وكأنها تُرشدني إليها:
- يَســــــــَّاقط..
..
......"
-11-
كلُّ حركة قوامها الحسّ أيها الرب "داد" هبطتْ.
كان هبوط صابونةِ ركبتي من أسفل عظم الفخذ إلى أعلى عظمة الساق يشبه هبوط طائرة كونكورد بشكل اضطراري ومباغت على مدرج ضيّقٍ وهي بعدُ في أقصى سرعتها. ومع هذا تجمّع الحسّ في نقطة وتعامد َعلى نفسه ثم شدّني إلى الأرض بعناية فائقة وكأنه انتهى من تثبيت دعامة هائلة على عمق خمسين متراً.
هبطتْ أيها الرّب داد.
عندما تمكنتُ أخيراً من مواجهةِ النافذةِ بثبات، تركتُ بصري يمتدّ إلى جهة (ساس النخل) .
قال بدر وهو يشير إلى وادٍ أسفل الجبل:
- هل تعتقد إنّه وادٍ حفَرتـْهُ أخاديدُ السيول الهابطة من أعلى (داد)؟.
قلتُ:
- إنه قديم، وقد لا تكون السيولُ هي التي حفرتـْهُ، ولكن ليس سكّان قرية "الحلاه" هم من فعلوا ذلك على كلّ حال.
كانت الأحجار الكلسية تغطي المكان بنتوءاتها الحادة ونهاياتها المسنونة، ومن مكاني في أسفل الجبل رأيت شجيرة (رول) صغيرة تتشبّثُ على ارتفاع ستين متراً . كانت تبدو خضراء أكثر ممّا هي عليه في الواقع.
إنها خضراء أيها الرب داد.
حدّقتُ طويلاً باتجاه الوادي ثم وضعت قدمي على حجرٍ عريضٍ ونحيفٍ على حافته وضغطتُ عليه، ضغطتُ ثانية حتى بدأ الرّمل يتخلخل ويتساقط في الوادي. في هذه اللحظة وبينما كانت شجيرة الرول تبدو من هذا الارتفاع خضراء، خضراء كما لو أنها لم تكن خضراء قبل هذا اليوم أبداً، وضعت قدمي الأخرى على الصخرة، وانتصبت فوقها في وضعٍ عسكري.
- كما كُنْت.. يميناً تراصف.. تنكّب سلاح..
ثم أخذ (الملازم أول) عبد القادر يتفحّص خوذنا وأقنعةَ الغاز والسفريّ الثقيل بمجارفه التي تتدلّى كأحشاء طريدةٍ عبث بها قطيعٌ من ذئابِ (زبيدات) الجائعة طوال الليل.
- خذوا وضع الرمي في مواضعكم وابدءوا مع إشارتي بإطلاق النارِ الغريزيّ من مستوى البطنِ دون تحديد هدف، حتى وإن كان متحرّكاً. وفي الإشارة الثانية اتّجهوا نحو الشّقّ واقطعوه هرولةً حتى حدود الفوج الثالث ومن هناك ستسمعون إشارة الصولة... توكّلوا على الله.
بعد يومين على الهجوم، كان علينا أن نقلّب أشلاء أصدقائنا في الأرض الحرام ونجمعها على هيئة أجسادٍ غير مكتملة. إنها يدُ سلمان عثمان، أعرفها من الخاتم، (عمتْ عين أمّك يا سلمان). لم تكن خضراء أيها الرب داد، بل ممزّقةً تماماً ويلتصقُ في موضعِ الزندِ ما بقيَ من قميصهِ الخاكيّ.
إنها حمراء أيها الربّ داد.
بعد ساعةٍ أخرى جمعنا ستّ عشرة جثةً على امتداد ساتر السّرية الثانية، ثمّ حفرنا أخدوداً صغيراً وألقينا الأعضاءَ التي لم نتمكن من تحديد أصحابها. كانت لإيرانيين وعراقيين معاً. وكانت حمراء كلها.
حمراء أيها الرّب داد.
حمراءُ تتلامح من بعيد، وكلّما أطلتُ تحديقي فيها زاد بريقُها، إنها تسرع ناحية (ساس النخل)، ومن مكاني في الدور 18 كان بإمكاني أن أعرف أنها (لاندكروز)، وأن ألمح وميض كاميرات الطريق الخارجيّ وهي تواصل ملاحقتها بلا شفقة.
-12-
كان قد مضى على "سنة الطبعة" وقتٌ طويل، في حساب تلك الأيام التي كانت تمرّ بطيئةً ومتشابهة، عندما وصل إلى (داد) نقّاشٌ وأقامَ عريشاً صغيراً في الجهةِ المطلّةِ على قريةِ (الحلاه) من الجبل.
وفور وصولهِ أخذ يعدّ أنابيقه وزجاجاته وجفناته الخزفية ويملؤها بنباتاتِ النيلنج، والزعفران، والعصفر، والفوّةَ الحمراء، وفحم أشجارِ السَّمر ودخانه الغليظ ثمّ يحضّر مزيجاً صمغيّاً من البطمِ أو الزاجِ وبعض الأعشاب التي يجمعها من الجبل. وكان كلما انتهى من صناعةِ لون، يغمس أصابعه فيه ويتمتم بصوته الخفيض والحاد ويرسم أوفاقاً على ورقاتِ السّدر ويحّرك المزيج حتى يشتدّ.
ثمّ يهبط إلى القرية ويأخذ الصوف المنسوج ويعود به إليهم بعد أيام منقوشاً برسوماتٍ تجعلهم مشدوهين من فرط إتقانها. كان يرسم إبلهم، ووعولهم الجبلية، وبيوتهم، وأفلاجهم، وأوديتهم، ومسالك الجبال التي تحيط قريتهم، وما كان يقبل بأي ثمنٍ لعمله، كل ما يطلبه هو أن تبقى منسوجاتهم في (الحلاه) ولا تخرج منها لأي سبب.
بعد سنتين على وصوله أخذ يرسم الناس بعد أن يمنحهم (روبيّات) حتى لا يواصلوا التلفّت أو مضغ أوراق شجيراتِ الغوبان واللحلح وأحياناً مطاردةَ الكلابِ الضالة أو التجمّع حول سلحفاة قادها مصيرها إلى أن توقد النار تحت تِرسها، حتى تتحوّل إلى قبضةٍ من الزيت المترسّب الذي ينفع لعلاج المفلوجين وأوجاع المفاصل وعرق النسا.
بدأ بأخوين ورسمهما في هيئةٍ واحدة تماماً على غير حقيقتهما، فالأول كان طفلاً في الرابعة، أما الآخر فتجاوز العاشرة من عمره. ولكن نقّاش جبل داد عطّل الزمن، فجعل رأس الطفل يصغر وأكتافه تتّسع وبطنه يضمر ووجهه يمتدّ ماعدا جبهته التي ضاقت قليلا وصارت بمستوى شعر الناصية.
لقد فاضت الصورة عليهما، وأخذت تواصل حلولها في الطفلين، فصار لهما نفس الهيئة والقوام والملامح في الواقع أيضاً، وكلّما أمعنتْ في حلولها زاد الشبه والتطابق بينهما. وبعد أربعين يوما لم يعد أبواهما يتمكنان من التفريق بينهما، بل وأكثر من هذا كله، اشتركا في اسم واحدٍ وذاكرةٍ واحدة.
ثم عكف النقّاش يبدّد مدّخراته من الروبيات الهندية من أجل تثبيت سكان القرية إلى كرسيّه ورسمهم بأصابع الرّب داد كما كان يردّد على الجميع. وبعد أن انتهى من الناس، بدأ برسم بيوت الحلاه وطُرقها وأشجارها وحيواناتها. مكث النقاش في داد أربع سنوات قبل أن يختفي تماماً، ولكنه اختفى بعد أن تمكّن أخيراً من خلق قبيلةٍ كاملةٍ من الكائنات المتماثلة.
-13-
عندما فكّرتُ في نقّاش جبل داد، أردتُ الإشارة إلى أن الأمكنة ربما تحتاج إلى أن تتشاكل لتستمرّ أو ربما يكون تشاكُلها هو طريقتها في التواصل مع حيواتها وكائناتها. وإذا فكرنا بدفع الفكرةِ إلى قراءةٍ ميثولوجيةٍ فسيتعيّن علينا الأخذ بفكرةِ نشوء الأمكنة المأهولةِ من الحركة. أي أن ما ينشأ عن الحركة فهو متحرّك بالضرورة. فلقد تحدّث القدامى عن بدايات الاستيطان وتلازمها مع الخطى الواسعة التي غرسها الرجل الأول وهو في طريقهِ من (سندريب) إلى الجزيرة العربية. لقد كانت خطىً هائلةً تتناسب وقامته التي كانت من فرط طولها تجعل الملائكة تشكو إلى الله من حرارةَ زفيره.
الخطى المتشابهة احتفظت لنا بأمكنة تتشابه في أسباب نشوئها وأشكال الحياة فيها. وقد يكون تشابهها يحمل الأسباب التي تجعل فكرة الحفاظ على مقوّمات المكان في صورته الأولى أمراً متلازما مع مفهوم الحفاظ على النوع. وهذا ما بمقدورنا تلمّسه في اللهجات أيضاً، هناك مفردات لا نجدها مدوّنة فيما وصلنا من كتب ومعاجم، وهناك مفرداتٌ أخرى لا يمكنها أن تنتشر خارجَ بيئتها بذات القوّة والأسباب التي ترفض فيها المفردات الجديدة التي تفد عليها.
فأحياناً تصلنا الأشياء بعد أن تكون قد خرجتْ من صراع دامٍ ومرير، صراعٍ ربما جعلها تصل إلينا وهي ملفوفةً بقداسةِ ما كابدتْه، فكل صراعٍ يمنح الأطراف المشتركة فيه قدراً من القداسةِ يوازي الألم والفتك الذي تعرّضت له في مسيرتها الموجعة.
لقد خلق نقّاشُ جبل داد قبيلةً من الكائنات والأشياء التي تتماثل في هيئتها. والحقيقة؛ لم تكن الهيئة الخارجية هي التي يشتدّ فيها الشّبه، بل لقد امتدّ عميقاً في جوهرِ الأشياء، وصار تماثلاً تاماً وكاملاً وكأننا أمام كائنٍ كرّر نفسه على عدد سكان القرية، أو بيتاً قام مهندسون وبنّاؤون ضجِرون -وربّما بمكيدةٍ ليس لنا أن نعرف دوافعها- بعملية نسخٍ بارعةٍ له وللشوارع والأودية والمسالك التي تقودُ إلى القريةِ أو تلكَ التي تُدفع خارجها.
أشعر أن هذه المهمّة على الرغم من مشقّتها، وربّما من افتقادها إلى الفضيلة كما قد يفكّر البعض، لا تخلو من النبل، أو على الأقل لا يمكننا أن نفكّر بسلبيةٍ كاملةٍ بأهدافها ومبرّراتها وكأننا مهيّئين لرفضها منذ البداية. فقد يكون الأمر الذي قاده إلى صناعة هذا التشاكل هو فكرةُ التكرار التي تقود إلى مكوث الشيء واستمراره وامتداده خارج زمنه.
أشعر أن هذه المهمّة على الرغم من مشقّتها، وربّما من افتقادها إلى الفضيلة كما قد يفكّر البعض، لا تخلو من النبل، أو على الأقل لا يمكننا أن نفكّر بسلبيةٍ كاملةٍ بأهدافها ومبرّراتها وكأننا مهيّئين لرفضها منذ البداية. فقد يكون الأمر الذي قاده إلى صناعة هذا التشاكل هو فكرةُ التكرار التي تقود إلى مكوث الشيء واستمراره وامتداده خارج زمنه.
إنها مهمة شاقة، وتحفل بمخاطر كثيرة، ولكن النقّاش فعلها مدفوعاً بإيمانٍ جعله يُفرّط بمدّخراته ووحدته التي جاء إلى الجبل من أجلها.
-14-
تلك القرية التي تبدو إلى يمين القادم من (مسافي) باتجاه (دبا الحصن) هي (الحلاه)، أما الجبل الذي يخفي طرفه الجنوبي بعضاً من بيوتاتها الطينية الخفيضة هو (داد) ، إنّه داد ذاته.
لم يتوقّف (بدر) عن جُمله المقتضبة وتلويحاته الحادة، بل كان يمسك المقود بيده اليسرى مشيراً إلى الحجر الذي منحته شمس أيلول بياضاً مضاعفاً بيده اليمنى، كان يقذفها باتجاه النافذة، يقذف أصابعه باستقامةٍ ويميل بجسده مخلّفاً تيّاراً هوائياً ناعماً يحفّ يده وهي تواصل قطعَ المسافةِ بين المقود والنافذة في إشارات واسعة نحو جبل داد.
نزلتُ خلفَ آخرَ صفّ من أشجار السمر باتجاه قرية الحلاه. وهناك رأيت صِبية بسحناتٍ متماثلةٍ تماماً. في أول الأمر رأيتُ صبيّين يقودان الماعز الجبلي في اتجاهين متعاكسين، وظننتهما توأماً، ثمّ عندما بلغتُ البيوت الخفيضة رأيت صبياً آخراً بذاتِ الملامح، كان يدلقُ ماءً ساخناً في جحرٍ صغير.
- لماذا لم تلتحق بأخويك؟
بادرته في الكلام، فأجابني وهو يقفُ متأهباً حول الجحر:
- ليس لي أخوة.
تركتهُ وبدأتُ أتسلّل في طرقٍ تقود إلى بعضها وبيوتٍ متطابقةٍ على نحوٍ يثير الريبة، وكأنها بيتاً واحداً عكفَ مهندسون غامضون على نسخهِ بحِيَلٍ هندسيةٍ مرات لا تُحصى. وبعد أن أوشكت على اليأسِ في الخروج من هذه المتاهة؛ رأيتُ مجموعةً من الصِّبية بسحناتٍ وملامحَ واحدة، يعبثون بجثةِ ذئبٍ هرمٍ قتلتْه كلابهم في الليلة الماضية ويحاولون انتزاع أسنانه بأيديهم، وقريباً منهم رأيت رجلاً ينظر بلا مبالاة حوله، سألته أن يقودني إلى الوليّ في جبل داد.
- الوليّ، الوليّ، الوليّ.
وأخذ يردّدها مرقـّقاً صوته تارةً ومرخـّماً إياه تارةً أخرى. حدَّق في وجهي للحظاتٍ وهو يحتفظُ بزاويةِ فمهِ اليُمنى مفتوحة، ثمّ أمسكَ بيدي وأخذ يقودني عبر مسالك القريةِ وطُرقها حتى تمكنتُ من أن أُحصي (183) سحنةً متطابقةً و(67) شارعاً يقودُ إلى نفسه، ولوهلةٍ فكّرتُ بهذا الأب الكوني الذي منح الجميع ملامحه، من يكون؟ لم يتركني الرجلُ إلاّ بعد أن جعلني أقف أمام داد، ثم قال:
- تسلّقهُ من هذا الطريق، وعندما تكون في أعلى الجبل سيكتشفكَ الوليّ بنفسه. لن تضطرّ إلى البحث عنه.
في الجبل ظهر أمامي شيخٌ ضامرٌ بلحيةٍ خفيفةٍ، يتمنطقُ حزاماً جلدياً، انعطفَ إلى اليمين وواصل طريقه بصمتٍ، فتبعته. دخلنا عريشاً صغيراً مبنيّاً ليتفادى رياحَ الكوس الشديدة، وانشغل عنّي بمحتوياتِ مندوسٍ خشبي كبير، ثم عاد ومعه أوراق غليظة غير مشذبة، وقال بعد أن ضيّق فتحتي عينيه وهو يواصل تحديقه:
- ليس هناك أبا كونيّاً.
قال ذلك وهو يبسط أمامه الأوراق بهدوءٍ وثقة، وبعد أن انتهى من ترتيبها في سبعةِ أرهاطٍ عموديّة أخبرني بقصةِ وصول نقّاشِ داد من دبي بعد وقت طويل من سنة الطبعة.
كانت ذات الرواية التي انتهت بالقرية إلى أن تكون قبيلةً من الكائنات المتماثلة، ثم ذهبنا معاً إلى طرف الجبل الذي يبدو (خور دبا) واضحاً منه، وهناك رأيت بيتاً مبنيّاً بطريقة القفل. هبطنا سلالم حجرية من مدخله الواطئ قبل أن نصل إلى غرفةٍ واسعةٍ يتسرّب إليها الضوء بكثافةٍ من ثلاثة صفوفٍ من الكوى الدائرية. كانت أنابيق النقاش وطاساته وجفناته وزجاجاته و طاولته المصنوعة من الأثل المصقول في الجهة التي تواجه الباب مازالت تحتفظ ببقع ماصلةٍ من الألوان التي طالما عكف على إعدادها من أجل أن تدفع كيمياءه إلى الجواهر الشريفة كما كان يؤكد لوليّ جبل داد.
- " كان يقول أن الكيمياء دائرة واسعة مركزها النفوس والجواهر الشريفة بدرجاتها، ومحيطها الانفعالات باختلافها. فإذا أردنا أن ندفع السعادةَ إلى واحدةٍ من النفوس الشريفة فإننا نرسم دائرةَ تلك النفسِ ونعزمُ عليها ثم نأخذ الانفعالات التي تقود إلى السعادةِ ونجمعها في طاسةٍ واحدةٍ حتى تصبحُ مزيجاً واحداً وندفعها إلى دائرتها.
وكان يتحدّث عن (تهذيب الأخلاق) لابن مسكويه ويقول ذاك الرجل لم يكن يعرف كيف يستخرج دائرةَ النفس وإعدادها ولا كيف يعزم عليها، ولو تمكّن من هذا لجعل الأرض أمّةً واحدةً ولساناً واحداً، ولجعل الحيوانات تتكلّم بألسنتنا.
مكث أربع سنوات في القرية ولم يبدأ بأعماله تلك إلاّ في سنته الأخيرة، مع بداية موسم الغوص الكبير، حيث لا يبقى في القرية من الرجال سوى الشيوخ والضعفاء والمرضى الذين لا رجاء في شفائهم. وبعد أن انتهى موسم الغوص وعاد الرجال، لم يعرفوا الحلاه، دخلوها من طريق (دبا) ومن جهة (مسافي) وتدفـّقوا إليها من الجبل ذاته، ولم يتعرّفوا عليها. وعندما يئسوا قصدوا وليَّ داد إلى عريشه. فصار يقودهم واحداً بعد الآخر إلى منازلهم.
لم يتعرّفوا على أبنائهم أوّل الأمر، واحتاجوا إلى وقتٍ طويل قبل أن يتقبّلوا الوضع الجديد، لقد شعروا بمرارةٍ قادتهم إلى الاعتراف أخيراً بأنهم فقدوا عوائلهم الحقيقية، وأنهم يحدسون عميقاً بأن عوائلهم الجديدة لا تستحقّ مدّخراتهم من فترة الغوص الكبير.
كانت هذه الأسباب كافيةً ليمتنعوا عن الالتحاق بموسم ( القفال) وينتشروا في دبي من أجل الوصول إلى النقـّاش، وهذا ما حدث بالفعل، إذ مكثوا في دبي نحو شهرين قبل أن يعثروا عليه ويعودون به إلى الحلاه.
طلبوا منه أن يعيد لهم عوائلهم الحقيقية، أن يفعل شيئاً من أجل أبوّتهم التي هدرها بكيميائه وأنابيقه ونقوشه. قال لهم أن ما حدث كان تغييراً في الجوهر وليس في الأعراض ولا يمكنه أن يفعل شيئاً. هدّدوه بالقتل، وعندما يئسوا عرضوا عليه كل مدّخراتهم.
- إنه الجوهر، لا أحد سيتمكن من تغييره، لا أحد."
كانت هذه الكلمات آخر ما سمعه الوليّ من النقّاش قبل أن يلقوا به من أعلى داد.
-15-
الهاوية التي تطلّ على شارع الكترا تمنحني الآن القدرة على تمييز شجيرات الآس أمام بنك أبو ظبي الوطني. البستانيّ الذي يحملُ مسحاته يبدو عجولاً وهو يعبر شارع السلام إلى الجهة الأخرى. أحياناً أفكّر ببستانيّي السهول والأراضي الخفيضة. إنّهم طيّبون وبسطاء وأحياناً ضجرون ويُستثارون بسرعة، لا يفكّرون أبعد من سوق المدينة. يقودون أبقارهم وشياههم القليلة وكأنها آخر معجزاتهم. يفضّلون النقود المعدنية ويصغون طويلاً إلى رنينها كما لو أنّها كلّ ما بقي من الماضي، الماضي الذي كلّما سألتُ أحدهم عنه أجابني دون أن يحوّل بصره:
-كانت الأمطار لا تكاد تنقطع طيلة أيام السنة، وكانت غلالنا تكفي مدينتين كبيرتين، والصيف، حتى الصيف كان يعبرنا على عجلٍ وكأنه يعتذر. كل شيء كان زاهياً وناعماً. كانت حيواناتنا تتكلّم بألسنةٍ كثيرة. لم نكن نأكل لحم بقرتنا ولا نقتلها إذا احتضرت بل نواسيها ونتعاقب في السهر عليها في احتضارها وندفنها كما ندفن عزيزاً. وليس كما أنتم، ما إن تسقط حتى لا تعرف منْ سينحرها منكم. وكانت الثمار تجعل البستان يبدو من بعيد وكأنه صلاة العيد حيث الأشجار محنيّة بفعل ثقلها.
بستانيو السهول الخفيضة الذين لا ترتفع بيوتهم أعلى من قاماتهم ومن محاريثهم المصنوعة من الصفصاف وتوث الحقول. البستانيون الذين يتطلّعون إلى دار البلدية وهم يتذكّرون ميتاتهم على الجبال في (كردمند وجمجمال(.
هناك لـبْس. بل هناك أشياء تحتاج إلى توضيح لتبدو الأمور أكثر تماسكاً! فمثلاً، في الحرب تقودنا طريقة الموت ومكان الإصابة إلى تحديد مهنة القتيل بدقة وصرامة كاملة. فالبستانيون يفقدون رؤوسهم مع خوذهم وساعاتهم مع معاصمهم وبساطيلهم مع أقدامهم، وإصاباتهم لا تكون إلاّ في صدورهم وبطونهم، وفي الغالب يفضّلون وجبة ساخنة قبل الصولة ويتركون بطونهم نصف جائعة وقصعاتهم نصف مملوءة من أجل أن يجدوا شيئاً عندما يعودون.
إنّهم لا يعترفون بالموت الذي يأتي بغتة، يشعرون في أعماقهم أنه موتٌ يناسب أبناء المدن وسائقي الشاحنات. وأحيانا يعجزون عن معرفة السبب الذي يدعو فرق الهندسة العسكرية إلى إطلاق تسمية (زراعة الألغام) على حجب الألغام وتمويهها، وتسمية (حقول الألغام) على الأرض الملغومة! يحدسون بحيف كبير: "هل حقا نزرع الألغام كما نزرع أشجار النارنج ونغرسها كما لو نغرس شتلات الرمان؟ وهل تستحق الأرض الملغومة أن نطلق عليها حقلاً كما نطلقها على حقول الحنطة والشلب والذرة؟"
بستانيو السهول الخفيضة لا يجيدون دفع الأعداد إلى مثلثاتها ولا يعزمون على الحرف حتى يخرج من قوّته. يحلمون بكائنات أثيرية وأجنحة لا تـُرى تعود بهم إلى محاريثهم ونباتاتهم. في (طويريج) كانوا يحرسون نهر (شطّ ملّة)، يتحّدثون عن خروج الغائب منه. سيخرج فرسه أوّلا وبعد يومين سيخرج الغائب من الشطّ، شطّ ملّة، وليس من نهر المقام كما يقول (السلطان حسن). لا يمكن للغائب أن يخرج من نهر ما عاد يجري في نفسه؛ فلقد جعلته (البوبيات) نحيلاً كخيط، وأكثر من كلّ هذا أصبح نهراً مراوغاً منذ أن حفر (كاظم الرشتي) قناة السوادة قبل 150 سنة.
سيجد حين يخرج رجالاً يحرسون فرسه ويعدّون لجامها ويشحذون أسلحته التي تلمع بمقابضها ونصالها وتخرج من الركاب وكأنها أحشاء أعداءٍ أسطوريين.
بستانيو الحقول كانوا يعرفون أنّهم يعدّون الغائب وفرسه إلى حتفهما، وهذا ما يجعلهم يتطلّعون إلى بعضهم صامتين، إذ ليس في وسع أحدهم تغيير ما سيحدث، ولكنهم كلما ذكروا الغائب، وضعوا أيديهم على رؤوسهم وردّدوا بوجل (عجّل الله فرجه) ثمّ يتبادلون نظراتٍ مقتضبة قبل أن يعترفوا لبعضهم أنّهم لا يريدون له أن يخرج في زمانهم، سيكون العبء أكبر من أن تتحمله أفئدتهم الصغيرة.
- لن يبقي على أحد منّا، سيقتلنا جميعا، فلقد أسرفنا في اقتراف المعاصي وأسرفنا أكثر في التبديد بذرّيـّة أجداده. وأكثر من كلّ هذا لقد أسرفنا في الحياة ذاتها وصرنا نعمّر أكثر من شياهنا وأبقارنا وخيولنا.
بستانيو الحقول الخفيضة كانوا سعداء أيضا لأنهم سيعدّون الغائب وفرسه ويقودُ من ينجو منهم ركابه إلى كربلاء، وهناك سترميه امرأة عجوز بحجر الرحى..
إنّهم سعداء، سعداء جداً، لأن فرسه لن تمكث طويلاً بعده في كربلاء، بل تعود إلى شطّ ملّة وهي مضرّجة برائحة غيابه.
-16-
لم أعد أتذكّر إن كانت جبال (كردمند) أو (جمجمال)! ولكنني أعرف أنّه فقد ساقيه في القمّة، أو ربّما في أحد المسالك التي تقود إليها.
هذا ما أتذكّره جيداً، وهذا تماماً ما حدّثني به صديقي علي، ولأنني سمعتها منذ نحو أربعة عشر عاماً تخلّلتها ميتات كثيرة وهجرات مضادة إلى الجنوب الذي لا يرتفع فيه بناء أعلى من دار البلدية، فقد بدأتُ بنسيان كل الأشياء المرتفعة من الحكاية.
كان جندياً من فوج المشاة الأول، اللواء 422 الذي يتبع الفيلق الرابع، اسمه (داود كاظم محسن). وهنا لابدّ أن أعترف أن الجنوب لم يدفع اسمه بعيداً عن ذاكرتي.
كانت صولة الفوج قد أجّلت لمرتين من قبل، ولم يعد ممكنا تأجيلها لمرّة ثالثة، فلقد استكمل اللواء تعويضاته وأعاد تنظيم نفسه وتمّ رفع مجموعة من الجنود الجدد إلى (القوّة والقدر) في الوحدة.
لم يعد من الفوج بعد الصولة سوى من تفادى الرجوع في ذات الطريق، أمّا الجرحى فتُركوا يواجهون مصيرهم في الثلج والبرد وهجمات الدببة وحيوانات كردمند المدرّبة على اكتشاف طرائدها في ثلوج شباط.
وبعد ستة أيّام على الصولة، لم يبق من الجرحى حيّاً سوى داود الذي أفرغ سفريّات القتلى من الميرة المجفـّفة وعاد بها زحفاً إلى مخبئه في غار صغير.
بعد ثلاثة أسابيع أخرى تسلّلت الغنغرينا إلى ما فوق ركبته وأماتت ساقه تماماً، وبدأ اللحم يتهرأ ويتقلـّع حول الأظافر ويطرح الصديد وسوائل كثيفة شفـّافة إلى الخارج.
أكمل الفوج تعويضاته ثانية وصال باتجاه القمّة حيث مازالت قطعات الأعداء تتحصّن في الأنفاق والشقوق الحجرية الضيّقة. وبدأ القصف يفهرس الأرض كما لو كانت رقعة شطرنج هلامية وهائلة ألقيت على جبال كردمند بإحداثيات مربّعة وصارت تدخل عميقا في تضاريسها. وبعد أن انحسر القصف، انتظر داود وصول أوّل موجةٍ من الجنود، ثمّ زحف من غاره إلى طريق الصولة وصار يتعرّف على أصدقائه وجنود وحدته.
بدوا لأول وهلةٍ غير متأكدين منه، ومن ثمّ عجزوا عن تصديق أنه مازال حيّاً، وبعد لحظات أخرى عانقوا ما بقي من جسده، إذ أن الغرغرينا كانت قد بدأت منذ أيّام تقضم يديه.
- احملوني معكم، لا أريد أن أموت في كردمند، لا أطيق فكرة الموت مرتفعا كنسرٍ هرمٍ ومتوحّد.
- عندما نعود يا داود.. سنطهّر الجبل وقبل ظهيرة الغد سيكون لنا.
- ماذا نفعل به، إنه لا يمنحنا سوى ميتات مرتفعة.
- سنحملك معنا وستموت في بيت لا يرتفع على قامتك.
كانوا متأكدين من أنّ داود لن يبقى حيّاً إلى الغد، فلقد كان جسده ممزّقا ومفترساً وتنبعث منه رائحة تشبه رائحة الرماد المنقوع بالبول.
- لن تعودوا، لن تعودوا. قال داود وهم يحملونه ببطانية إلى الغار.
بعد ساعاتٍ سمع جلبة في طريق الصولة وخرج بعد أن هدأت، فوجد أشلاء أصدقائه تنتشر على امتداد الطريق إلى قمة كردمند. أخذ يقلّبهم وهو يتمتم:
- لا أحد سينجو، لا احد. هل تعرفون معنى أن يموت كرديّ لم يغادر جبله قطّ في (الفاو) أو(نهر جاسم)؟ هذا ما أشعر به تماماً.
وفي الأيام اللاحقة كانت الصولات تعبره إلى القمة ويعودون أشلاء مع وعودهم بأخلائه. وحتى بعد أن نجحوا أخيراً في طرد العدو من القمة. اكتشف الأعداء ذاتهم وجوده أثناء انسحابهم من سواترهم وشقوقهم، ولم يفعلوا أكثر من أن تركوا قربه بعض السجائر وعلب الغذاء المجفف، وغادروه باتجاه القمّة في صولات مضادة.
وبعد أسابيع أخرى ترك الأعداء كردمند إلى جبل آخر.. أمّا أصدقاؤه في لواء 422 فلقد يئسوا من نجاته وغادروا الجبل من الجهة الأخرى.
وبعد شهر آخر انتهت الحرب ولم يعد يصل إلى القمّة سوى مجموعة من الحواة والصيّادين والمهرّبين وأحياناً بعض العشّابين ورجل فزع يسأل عن آرامية تائهة عرف منه أنّ لغماً أرضياً انفجر بمفرزة طبية كانت في طريقها إليه، وما عاد أحد يجرؤ على الوصول إلى طريق الصولات لأن خرائط الألغام عادت إلى الجنوب الخفيض مع حركة الوحدات العسكرية. أمّا الأعداء فمزّقوها على قمّةٍ أخرى.
وهكذا اكتشف داود أن الموتَ كنسرٍ هرمٍ ومتوحّدٍ بعيداً عن البيوت التي لا ترتفع على قامته سيكون رائعاً بقليلٍ من الصيف والحرف البرّيِّ والنراجس التي بدأت منذ أيّام تنتشر حوله.
-17-
"نقطة الكاف مرة أخرى"
منذ خمسة أيّام وأنا أجوس ظلاماً ليّناً، ظلاماً شبيهاً بتلّ أجرد من اللحم النيّء.
أدخل الغرفة، ألقي حقيبة ظهري على الطاولة وأخرج على عجل، ثمّ بغتة أشعر أنني لم أغادر غرفتي بعد، وأن حقيبتي ما زالت تشدّ كتفي إلى الخلف.
أجلس متوتّراً في ركن قصيّ من مقهى (ستاربكس) وأنا أفرغ محتوياتها، كما لو أنني انتزع أحشاءها (عبوة ماء، أقلام لم أكن أعرف بوجودها من قبل، أقراص بنادول، معجم أكدي، عملات معدنية من فئات مختلفة، كاميرا رقمية، ساعة يدوية عاطلة منذ صيف 2001، عطر سولو، ممحاة بلونين، ماكنة حلاقة، فرشاة أسنان، قفّازات). أعود ثانية إلى غرفتي ومرّة أخرى أشعر أنني لم أغادر المقهى هذه المرة، ثمّ لاحتْ نظرة سريعة إلى الطاولة حيث مازالت حقيبتي كما تركتها عندما دخلت لأول مرة، أفرغها على الطاولة بريبة (ممحاة بلونين، عبوة ماء، معجم أكدي، ساعة يدوية عاطلة منذ صيف 2001، عبوة ماء أخرى، هوية أحوال مدنية تعود إلى نحو عشرين عاماً، ميدالية مفاتيح، حبوب بنادول، قلامة أظافر، صورة ليوسف في شارع صاحب الزمان بكربلاء).
منذ خمسة أيام وأنا أسقط في نفسي. أتجول بيأس في غرف وممرات شقتي ببرج السعديات دون أن أتمكن من النوم قط. هل هي محاولة لمباغتتي في مكان ما منها؟
أمام النافذة الواسعة صرت أحدس الحيوات الكثيرة التي تعاقبت على المكان، حيوات جمّة كان الأرق يقودها لتعبر الغرف المظلمة والممرات التي تلتفّ على نفسها، وربما أيضا وقفت أمام النافذة لتمدّ بصرها بعيداً باتجاه البحر. أطرافي تتنمّل، أشعر بارتجافةٍ خفيفةٍ تصعد ببطء وكلّما بلغت عضلة هزّتها.
أيّتها الآرامية يا امرأتي التي من عبير مرّ وحيّ، هزّي إليك بجذع النخلة...
مالذي يجعل خديدا ينهض في مثل هذه الساعة؟. إنه يعبر ببطء، يتسلّل بمهارة فائقة، تماماً كما لو أنه موجود من أجل تعميق عزلتي.
فكّرت بالنقطة، النقطة التي كان خديدا يردّد تعزيماته من أجل أن يستحوذ عليها. النقطة التي لم تعد في الكاف ولا الميم، قرأت ذات يوم في كتابات الربابنة السريان عن طريقة تجعل الأرواح قادرة على عبور برازخها كان اسمها (الميرا ميرا)، وكانت هي الأخرى نقطة، نقطة سقطت من النون مثلما أخبرني الأب يوسف أمين مكتبة دير الآباء الكرمليين.
ثانية أخذتُ أتجوّل في البيت، وكلّما وصلت المطبخ شعرت بجدوى أن يموت بستانيو الحقول الخفيضة ببطون نصف ممتلئة. هناك أماكن في البيت لا يمكننا أن نشعر إزاءها بمودّة، لا أعرف إن كنت قد استعملت المفردة المناسبة، ولكن حقاً لا يمكن لنا أن نحب جميع الأمكنة في البيت بذات القدر. فمثلاً أحبّ الطاولة في صالة الجلوس رغم بلادتها وبياضها المحكوك والناصل. وأحبّ الكرسيّ الخفيض بمسنده المرتفع. أحبّ الأماكن التي تجعلني أمعن في مباغتة الآخرين لأنها أماكن غير متوقّعة ولا تبدو صالحة، الأماكن الصالحة بالمعنى الذي كان يردّده جدّي ونحن نرشّ النواويس بأباريق الماء الذي نجلبه من نهر الدويهيّة.
كانت الحمراء قد انتهت من تخليص غرفتها من رائحة بدنها عندما تطلّعت من النافذة إلى الخارج وهي تقول باقتضاب:
حسنٌ سأكون معكم، انتظرني في الخارج مع جدّي.
- هل ستخفين صورته ثانية؟ .. حاولت أن أقول ذلك بمكر.
- إنها معي، لن أخفيها أيّها الغائب، ولكن عليّ أن لا أكون وعلاً أحمراً، لم أعد أحبّ المرتفعات، إنها تجعل سقوطي مؤلماً ولا نهائياً.
كان جدّي يغسل شواهد النواويس الحجرية بإبريق ثقيل من الصفر وهو يقرأ الفاتحة عندما قالت الحمراء وهي تمسك عصا وتحكّ طبقة من الملح المترسّب أسفل ناووس أحد البطارقة:
- ولكنّهم من النصارى يا جدّي
- إنهم جيراننا يا حمراء، ثمّ أردف: جيراننا وعلى أرضنا، بل على أرضهم، إنهم هنا قبل أن يصل العرب إلى العراق، وحتى مفردة كربلاء ليست في الحقيقة سوى مفردة آشورية مكوّنة من مقطعين (كرب إيل) وتعني بلغتهم (ليباركها الله) كما سمعت.
منذ خمسة أيّام وأنا أقول: هل يبصر الظلام نفسه؟
أشعر بإرهاق وبحاجة إلى أن أعترف أنني لا أحبّ النظر إلى المرآة، ليس لأنها تحتفظ بنا عميقا في أحشائها، بل لأننا نفشل في تقشيرها لنستردّ ما فقدناه منّا.
إنّه اليوم الخامس وأنا ألوذ بحاسة لم أكن أعرف أن امتلاكها لا يحتاج إلاّ إلى القليل من فقداننا القدرة على أن نكون جدّيين في حاجتنا إلى الموت. هذا ما أريده أن يبدو أمراً لا يحتمل التراجع أو التأخير. الحاجة إلى الموت هي في حقيقتها موت آخر. موت يمنحنا القدرة على أن نراقب رغباتنا وهي تقف مبتهجة وبكامل زينتها إلى الحائط قبل أن نطلق عليها النار بلحظات.
ما الذي يحدث لي، ما الذي يجعل الظلام ليّنا كاللحم النيّء؟ لماذا أشعر أن البحث عن أصدقاء بعد سبعة عشر عاماً على الحرب يشبه البحث عن ناجين في تيتانك؟
كان سحرة شير فضّة البيض يتردّدون على بيتنا في قرية الدويهية. في البدء كانوا يقضون النهار في صرف الجنّ من عمّار غرفة الحمراء، ومن ثمّ صاروا يعدّون جفناتهم الخزفية ويسقونها نقيعاً عشبياً غليظاً وهم يردّدون تعزيماتهم حتى لا تواصل نحيبها الليليّ وعاداتها بالتجوّل بين النواويس أثناء نومها.
أنا الغائب الذي لا يثير حفيظة أحد، الغائب الذي اعتاد على مفاجأتهم بحضوره المباغت وهم في أوج انشغالاتهم، الغائب الذي لم يدّخروا أسرارهم وحكاياتهم عنه.
أخبرتني الحمراء أن بطريقا من بطارقة النواويس أحبّها واستأذنها في الحلول في جسدها. لقد وعدني بـ (بالميرا ميرا)، وعدني أن يكون طيّباً وهادئاً وخفيفاً وهو يواصل حلوله وتحوّلاته في جسدي.
- هل تمكّنت من رؤيته يا حمراء؟
- نعم، توّسلت إليه أن يظهر، قلت له أن يواجهني ويجعلني أشعر بقوة حضوره عندما أحتاج إليه. فظهر في مناسبتين في هيئة وعل برّيّ أحمر. أرشدني إلى كيفية تضليل رائحة جسدي ببخورات العفص والحرمل والزاج حتى لا يتمكن سحرة شير فضّة من تفريغها في زجاجاتهم وأنابيقهم، لقد علّمني أن أكون حمراء أكثر بكثير مما يحتاج إليه وعل برّيّ مُطارد على الحافات. هل تعرف أيها الغائب معنى أن تلقي بنفسك إلى الهاوية من أجل أن تحصي سقوطك؟، هذا ما كنت أفعله طوال الليل وأنا مغمورة بنداء البطريق الداخلي. كان صوته يأتيني بذات الطريقة التي أمسك فيها الكوب ثمّ أتركه يسقط من أجل أن لا أبدو امرأةً بلا دويّ داخليّ. إنها لحظة ارتطام الكوب بالأرض أيّها الغائب، اللحظة التي لا يمكن للكوب فيها أن يكون حيادياً. كنت أغمض عينيّ فأشعر أنني نفوس كثيرة، بل كنت قبيلة من نساء ترنّ أعماقهنّ بدويّ هائل حتى يصبحن قطيعاً من الوعول الحمراء التي تتجوّل طوال الليل مع بطريق وحيد.
- نعم، توّسلت إليه أن يظهر، قلت له أن يواجهني ويجعلني أشعر بقوة حضوره عندما أحتاج إليه. فظهر في مناسبتين في هيئة وعل برّيّ أحمر. أرشدني إلى كيفية تضليل رائحة جسدي ببخورات العفص والحرمل والزاج حتى لا يتمكن سحرة شير فضّة من تفريغها في زجاجاتهم وأنابيقهم، لقد علّمني أن أكون حمراء أكثر بكثير مما يحتاج إليه وعل برّيّ مُطارد على الحافات. هل تعرف أيها الغائب معنى أن تلقي بنفسك إلى الهاوية من أجل أن تحصي سقوطك؟، هذا ما كنت أفعله طوال الليل وأنا مغمورة بنداء البطريق الداخلي. كان صوته يأتيني بذات الطريقة التي أمسك فيها الكوب ثمّ أتركه يسقط من أجل أن لا أبدو امرأةً بلا دويّ داخليّ. إنها لحظة ارتطام الكوب بالأرض أيّها الغائب، اللحظة التي لا يمكن للكوب فيها أن يكون حيادياً. كنت أغمض عينيّ فأشعر أنني نفوس كثيرة، بل كنت قبيلة من نساء ترنّ أعماقهنّ بدويّ هائل حتى يصبحن قطيعاً من الوعول الحمراء التي تتجوّل طوال الليل مع بطريق وحيد.
الحمراء هي الأخرى كانت تعرف الكلمات التامات، وكانت تغيب كلّما انتهت من تضليل رائحتها، وذات يوم وبعد أن انتهينا من رشّ نواويس البطارقة، قالت:
- اقترب أيّها الغائب، اقترب. هل تسمع الآن .. أنّني أرنّ مثل صيحة في بئر.
عندما اقتربت صرت أسمع دويّاً هائلاً، دويّ آلاف من الأقداح وهي ترتطم واحداً بعد الآخر بالأرض..
لقد كان البطريق في تلك اللحظة يدعوها إليه.
منذ خمسة أيّام وأنا أواصل سقوطي من الدور 18 دون أن أبلغ الأرض ودون أن يكون في وسع أحد أن يسمع الجلبة الهائلة التي تحدث داخلي.
إنها لا ترنّ مثل صيحة في بئر أيها الربّ داد.
إنها لا ترنّ مثل صيحة في بئر أيها الربّ داد.
