( في القطار المتجه إلى أمستردام )
ربما هي أشياء قد لا أحفل بها ولن تعنيني، ولكنها ضرورية لاستكمال طقوس السفر وغواياته. أن أحلق ذقني أو أشرب قهوتي وأنا أمدّ بصري من خلال النافذة حتى يتقاطع مع شارع Veenkade الذي يفصلني عنه نهر بروك سلوت .
حدست أنني فعلت هذا لأعرف أن كان يومي سيكون شاقا, فلقد أنجزت مؤامرة محكمة لأحرث بقدمي وبصري عشرات الأزقة الناحلة في أمستردام.
( في القطار, أثناء العودة)
أنا الآن في القطار الذي سيعود بي إلى لاهاي. لم يكن يومًا رائعًا، فلم أجد صديقي ساندر في قسم الشرقيات بمؤسسة كوك، إذ وصلت متأخرا لبعض الوقت بعد أن انحزتُ إلى رغبة غامضة في التجوّل بعيدًا خلف الدوار 300، أنه مدهش على نحو يجعل الأشياء فاقدة لبريقها من حوله.
دخلت غالري Van den straten ومكثت نحوًا من ساعة وتفرّست في محتوياته كما يفعل سائحون قدامى لا يظهرون إلا في الأحلام.
توقفت كثيرا أمام أعمال فنان أمريكي من أصل صيني، كانت معالجاته وتأسيساته على السطح مدهشة ، أنه يرسم وكأنه يعيد اكتشاف الرسم، ولن يكون في وسع أحد أن يلتفت مادام *ZHOU يباغته من الأمام.
سألتُ السيدة ( انليس ) صاحبة الغالري وهي امرأة خمسينية, إن كانت تملك كتابا عن تجربته.
فذهبت من فورها لتعود بمجلد كبير ولتخبرني بأنها لا تملك سواه ولا يسعها التفريط به. بعدها تجاذبنا الحديث لبعض الوقت عن تجارب عديدة وعن عملها خلال السنوات الأخيرة، وتخلل الحديث دخول زوار كثيرين ومدرّسة مع مجموعة من تلامذتها من المرحلة المتوسطة، ثم تمنيت لها نهارًا طيبًا وهممت بالمغادرة فاستوقفتني لتخبرني أنها ستتخلّى عن نسختها لي وستتصل الفنان ليؤمّن لها نسخة أخرى، شكرت لها لطفها وبادرتها وحفاوتها وخرجت مسرعا.
وصلت إلى كوك متأخرًا، وقرأت رسالة جعلني فرط طولها أن أعرف أنني تأخرت من الوقت ما يكفي كائنا زاهدًا في الكتابة كساندر ليكتب لي كل هذه الفراسات المدوّنة.
أنجزتُ عملي قرابة الساعة الخامسة وكتبت ملاحظات على مجموعة من المدوّنات القديمة ثم تركت رسالة توازي رسالة (ساندر ) طولا وجنونًا وأبلغتُ ابنه أن يجعلها تحت طبق عشائه .
أظنه سيفعل، وسيضعها تحت طبقه وسيوهمه أنها فاتورة الهاتف، فهو الآخر لا يقلّ فراسة عن أبيه.
التفت على حين غرّة وأنا ارتدي معطفي وأهمّ بالمغادرة ليقول لي وهو يجد صعوبة في مغالبة ابتسامة تسربت من زاوية فمه: أعرف أبي، سيترك العشاء عندما يظنّ أنها فاتورة الهاتف، وعندما يعود إلى المائدة ستكفيه نظرة واحدة إلى طبقه الفارغ ليعرف أن وزني زاد كثيرًا .