‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراية (3 ). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراية (3 ). إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يوليو 30، 2010

قراية (3 )

(الاثنين 10 أبريل، مكتبة دار البلدية في لاهاي)


هذا الصباح حدّثتها عن مينا.
مينا ابنة العطّار الصيني التي نسيَ ألبرت يدهُ معلّقةً من أجلها أسبوعًا كاملاً.
قبل قليل رأيتها في المكتبة، كانت تجلس على كرسيّ أخضر بلا مساند وتحدّق باتجاه نصب كارل أبل. وقفت خلفها، وفي البرهة التي أفردت ذراعيّ من أجل أن أغمض عينيها وأباغتها بحضوري، توقّفتُ.
توقّفتُ بلا أسباب واضحة غالبًا.
أو لأقل؛ لأسباب ٍكثيرةٍ فقدتُ القدرةَ جزئيًا على ترتيبها بحسب أهميتها, حدستُ أنني أبدو بهيئتي تلك شبيهًا برجل يظهر في إحدى المصوّرات القديمة التي كنت أشاهدها يوميًا بمقهى الحاج سكر. كان بثياب إعرابيّ، يعتمر كوفيةً تنسدلُ إلى ما تحت كتفيه. ولطالما كانت الأجنحة التي تبزغ خلف ظهره تشدّني، ليس إلى هيئته وحسب، بل وإلى هيئةِ الأسدِ الذي يربض مع امرأةٍ ورجلين بلحىً كثّة وصبيين في ظلالهما.
ـ مينا.
قلتُ باقتضابٍ وكأنني أتخلّص من صورة الرجل المجنّح
ـ يا إلهي، أنت..!!
توقَّفَت للحظةٍ ثم قالت بسرعة: بحقيبةِ ظهركَ ذاتها ومن غير صديقكَ الخجول هذه المرّة!
ـ نعم أنا، وليس سواي معي كما ترين
عدّلت جلستها لتواجهني:
ـ هل يبدو الأمر مسلّيا؟
ـ أيّ أمر؟
ـ أسفاركَ المتكرّرة، هل هي مسلّية كثيراً؟
ـ ليس كثيرًا، أنه العمل، لا غير!
قلت مفردة "العمل" كما لو أنها حكمةٌ عليها تصديقها.
ـ ولكن السفر في ذاته، ألا يجعلكَ تشعر بأنك تترك دائمًا شيئًا منكَ في الأمكنة التي تتردّد عليها؟
ـ أحيانًا أشعرُ أنني أصل أخيرًا إلى منزلي وكأنني رجلٌ آخر، يتعرّف على حاجيات تركها أحد ما بانتظاره قبل أن يموت فجأة.
قالت مينا التي جعلت يد ألبرت معلّقةٌ طوالَ أسبوع قبل نهاية الصيف الماضي:
ـ أنا أيضًا أشعر بذات الشيء. أغيّر مقعدي لعشرة مرات في أقل من نصف ساعة، وفي كلّ مرة أترك بعضًا مني على المقعد الذي أهجره. من أجل هذا لم أعد مينا. إنها هناك - وأشارت إلى مقعدٍ أصفر بلا مساند- إنْ أراد أحدهم أن يعثر على مينا فليس عليه سوى أن يذهب إلى حيث كانت تجلس قبل نصف ساعة.