‏إظهار الرسائل ذات التسميات سبينوزا.. الكائن يربّي ندمه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سبينوزا.. الكائن يربّي ندمه. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يوليو 30، 2010

سبينوزا.. الكائن يربّي ندمه



كانت الرحلة في جوهرها محاولة في اقتفاء عزلات بندكتوس سبينوزا الفيلسوف التنويري الهولندي بين مدينتي فوربورخ ودنهاخ (لاهاي)، لأن الرجل لم يكن يحاول أن يكتشف الأمكنة بل كان حريصا على أن يختفي فيها وحسب. ولقد بدأت أولى محاولاته عندما فرّ بجرح نازف في رقبته اثر طعنة خنجر وجهها متدين يهودي. ومنذ ذلك الهرب صار يحدس بالخطر الذي يتهدد حياة الفلاسفة. شاركني الرحلة صديقي الباحث الهولندي (رونالد) الذي قضى بعد ذلك منتحرا بعد أن ترك كتابا عن الموت (De Doot) جمع فيه نصوصا كثيرة تتناول الموت في لغات وثقافات مختلفة ،ثم انضمّ إلينا لاحقا صديقنا (عزوز افزارن).
هانحن في مدينة فوربورخ (Voorburg) وتُلفظ بالخاء الثقيلة ، وهي مدينة صغيرة في إقليم غرب هولندا وتحديدا على محيط لاهاي أقام فيها سبينوزا نحو خمس سنوات وشرع خلال تلك الفترة بوضع مؤلفه (الأخلاق) الذي يُعدّ أحد أنفس المؤلفات الفلسفية التي أبدعها الإنسان على امتداد حياته العقلية. فوربرخ هي إحدى أقدم المدن في هولندا وغربي أوربا وأقام فيها الرومان حاميات عسكرية منذ ما قبل الميلاد والمفردة مركّبة ومنحوتة من كلمتين (Voor وتعني: قبل) و (Burg) التي تشترك بين الإغريقية والرومانية وتعني البناء الشاهق أو المرتفع الذي يُتّخذ كنظام حماية عسكري. ولقد تسلّلت المفردة إلى المعجم العربي في عصور مبكّرة (برج وجمعها بروج وأبراج) ووردت في صيغة مستقرّة في القرآن الكريم: (والسماء ذات البروج)، كما جاءت في الشعر العربي بصيغة المفرد والجمع.
في مقهى (Joles) بشارع هيرن سترات (Heren straat)، تطلّع رونالد إلى صيدلية (Huygens) ثمّ أشاح بوجهه عنها ليتفرّس هذه المرة في ملامحي لحظات، ابتسم وهو يقول:
- لا يبدو أنك لاحظت شيئًا في الصيدلية.
- لم أكن أتطلّع إليها، بل تطلّعت ناحيتك وأنت تنظر إليها.
أجابني ضاحكا:
- إذن فلقد فشلتُ في جعلك تكتشف اسم الرجل الذي بدأت أحبّه بعد أن تعرّفت عليه بمحض المصادفة.

سبينوزا والرَّسام

دست لبرهة أنه يقصد كريستيان هوخينز (1629-1695) وهو رسام هولندي استضاف سبينوزا بعد أن خرج من ضواحي ليدن ليكون قريبا من لاهاي، وكان لأبيه (قسطنطين هوخينس) أثر إيجابي في جعل سبينوزا يشرع في وضع كتاب الأخلاق وتأليف طائفة واسعة من الرسائل، وفي بيت كريستيان مكث الفيلسوف أعواما قبل انتقاله إلى لاهاي.

التفتُّ نحو الصيدلية وقلت له:
- إذا كنت تعني (هوخينز) فأعرف أنه رسام مرموق في زمنه أو ما يعرف بالقرن الذهبي، وكان معاصرا لرمبرانت وفرانس هالس وفرمير ودابر الذي وضع كتابا مصورا عن جزيرة العرب في عام 1650. في هذه الأثناء كان رونالد يتّخذ هيئة من ينتظر معجزة، بينما كنت أمعن في سرد الأسماء حتى بلغت سبينوزا. فقال:
- نعم... نعم.. الآن فقط عليك أن تعرف أنني سبينوزا أيضا -قالها رونالد وهو يضحك ضحكة قصيرة وحادة- سبينوزا، نعم سبينوزا. في هذا البيت عاش سبينوزا منذ عام 1665 عندما لم يعد في وسعه الإقامة في أمستردام ولا في ضواحي مدينة Leiden.
في تلك الفترة بدأت الأمور تضيق بالرجل الذي عكف طوال سنوات على تربية صمته وعزلته وربما تربية ندمه، وعندما وصل إلى فوربورخ وشرع في وضع مؤلفه الكبير (الأخلاق) بدا رجل العدسات. الرجل الذي قال ذات يوم: (لا نرغب في الأشياء لأنها لا تسرّنا، ولكنها تسرّنا لأننا نرغب فيها) يتحوّل إلى علم من أعلام عصر التنوير فاجتمع حوله مريدون كثر من بلدان شتّى، وأخذ يدخل في مراسلات مع أعلام عصره كما في مراسلاته المعروفة مع هنري اولدنبرج سكرتير المجتمع الملكي في انجلترا، وليبنتز الفيلسوف الذي زاره قبل عام من وفاته ولويس ماير الطبيب الذي توفي سبينوزا بين ذراعيه وسيمون ده فري التاجر الأمستردامي الذي توسّل ليقبل سبينوزا ألف جنيه هدية منه إلاّ أن الفيلسوف رفضها وأقنعه أن يترك ثروته لأخيه، لكن الرجل كان قد أوصى على منح صديقه الفيلسوف 250 جنيها سنويا من دخل أملاكه، وعاد سبينوزا ليرفضها قائلاً: (أنا والطبيعة نشترك في أننا نرضى بالقليل) ولكنه أجبر أخيرا على قبول 150 جنيها. و لم يمنعه هذا كله من الانحياز إلى نفسه.
ثمّ أخذنا نتجوّل في (هيرن سترات) الشارع الذي يحتفظ أرشيف بلدية (فوربورخ) عنه بمجموعة من المحفورات الطباعية النادرة، إذ مازال يُعتبر نموذجا للتخطيط الذي كان شائعا في العصور الوسطى، وأخذ هيئته الحالية مع بداية عصر النهضة في القرن الخامس عشر والسادس عشر وهناك طائفة واسعة من الأبنية التي مازالت قائمة بذات الطريقة التي أنشئت فيها، وحتى عندما قرّرت البلدية تحديثها، فأنها كانت حريصة في أن تعود إلى الأعمال الفنية القديمة التي هي في الغالب لوحات بالصباغ التقليدي أو محفورات على معدن النحاس، وتشرع في الترميم لتحافظ بذلك على وحداته ومفرداته العمرانية من مقرنصات جصيّة وأفاريز خشبية أو حجرية ومقوّسات ونوافذ من الزجاج المعشّق بالرصاص كما لو إنها لم تفقد من بريقها شيئا.


(منزل الفيلسوف)

ذهبت باتجاه بيت سبينوزا الذي تحوّل القسم الأرضي منه إلى صيدلية باسم الرسام (هوخينس) الذي استضاف سبينوزا ، مستغلا نفوذ والده رجل الدولة والشاعر الذائع الصيت في حمايته..
كان هناك في أعلى الواجهة الزجاجية نحتا برونزيا ناتئاً لرأسيهما (سبينوزا وهوخينس)، وفي مدخل الصيدلية نحت آخر يشتمل على عمود بارتفاع نحو 140 سنتمترا لهما ويبدو فيه هوخينس في هيئة من يصغي إلى الأستاذ الذي بدا واقفا. استأذنت الموظفين بالصعود إلى عليّة البيت حيث كان يقيم الفيلسوف. أجابت إحدى الموظفات وهي تغمض عينيها نصف إغماضة وكأنها كانت تتهيأ لترمي بنفسها إلى مغطس من ارتفاع عشرين متراً:
- عليك أن تعرف أموراً كثيرة...
وهنا حاولت أن أبدو جديا بينما اكتفى رونالد كعادته بإطلاق طرائفه بلغة إنجيلية:
- يجب أن تبدو أكثر صرامة لتتمكّن السيدة من الحديث عن ضرورة تناول القربان قبل أن يقبل قلبك مهرولا على المعاصي.
تطلّعت السيدة ناحية رونالد وابتسمت بعمق وهي تحرّك يديها بإشارات واسعة ثمّ قالت:
- هناك مدخل جانبي -وأشارت إليه- تقطن أسرةً ابتداء من الدور الأول من المنزل، ولكي تتمكن من زيارته عليك أن تستأذن منها، ولكن هذا لا يعني أن سبينوزا لم يكن يهبط إلى الدور الأرضي حيث نحن الآن. لذا فأنا منحتك ما أملك من هواء الفيلسوف.
عندما صعدنا إلى العليّة برفقة الرجل وزوجته وابنهما الذي بدا سعيدا على غير عادته أمام الغرباء كما كانت تردّد أمّه. وقع بصري على أبرشية فوربورخ، كانت تواجه نافذة سبينوزا تماما ولا يفصلها عن البيت ذاته سوى أمتار قليلة, وهنا قال رونالد:
- هل تعرف؟ لقد كان سبينوزا من مكانه هذا يصغي إلى قرع الأجراس وصراخ الباعة وصرير العربات القادمة من الريف المحيط بـ (لاهاي وليسندام).
وهنا أضاف الرجل الذي كان يبدو وكأن شغفه يسيل من أصابعه وهو يشير إلى نهر (De Vliet) من الجهة الأخرى للعليّة قائلاً:
- وكذلك جلبة السفن التي تأتي بالبضائع من ليدن وأمستردام وهارلم.
إذن لم يكن الفيلسوف منقطعا إلى نفسه وحسب, أو ملقيا بها خارج زمنه كما يقول أغلب من تناوله أو تناول سيرته..

 


(الأندلسيّ)

كانت العليّة واسعة وتمنحه إمكانية أن يتحرّك نحو ثمانية أمتار جيئة ومثلها ذهابا. كما أن موضع سريره كان يقع عند أسفل النافذة المطلّة جهة النهر.
في هذه الغرفة، كان سبينوزا الذي ولد في أمستردام في عام (1632) من أبويين يهوديين من يهود المرّان –أبناء الأندلس من اليهود الذين أظهروا الكثلكة وأضمروا يهوديتهم- يستكمل بحوثه ويدفع سعادته العقلية إلى أوجها. وفي هذه الغرفة أيضا كان يحاول تأسيس اختلافه مع مفكّري عصره وينحو بمعارف زمنه إلى أن تتقاطع مع ما اعتادت على تقبّله والأخذ به كبديهيات ليس لها أن تتمدّد بعيدا عن نفسها. وهنا عدت لأسأل رونالد:
- ماذا تعني في قولك أنك سبينوزا أيضا؟
- لقد أطلقته عليّ أمّي عندما لم تعد تجد من يقبل بهذا الاسم ولم تجد حولها كائنا طيّعاً مثلي. وحتى عندما رفضتُ الاسم في أوّل الأمر، فإنها لم تفعل أكثر من أن أطرقت لبرهة ثم رفعت عينيها قائلة: كما تشاء يا سبينوزا.
ومنذ ذلك اليوم لم أعد رونالد.
- ولكن هل تعرف يا رونالد أن سبينوزا ذاته قد غيّر اسمه من باروخ إلى بندكتوس؟
- لم أكن أعلم ذلك، ولكن لماذا، ومتى غير اسمه؟ - ثم أردف ضاحكا- ربما سأمتلِكُ دافعاً جديداً لأغير اسمي مرة أخرى.
غيّر اسمه من باروخ (وهو صيغة اسم المفعول في اللغات الجزيرة القديمة بمعنى المبارك وجذرها مفردة برخ كما في اللغة العربية. ومازالت اللهجة الإماراتية والعمانية وتحديداً في خورفكان وما يتاخمها من المناطق في عمان تحتفظ بلهجة برخ للدلالة على الزيادة والبركة والرخص المقترن بهما، ومعروف أن الخاء والكاف يتبادلان في اللغة العربية ولهجاتها، أي أن برخ = برك) إلى بندكتوس، وبندكتوس هي الصيغة اللاتينية لمفردة باروخ وتعني المبارك أيضا، ولقد غيّره بعد إنزال كنيس أمستردام اللعنة والحرمان الأكبر به وفصله من شعب إسرائيل. ربما ليمعن في ابتعاده عنهم أو من أجل توتيرهم أكثر.

(في أرشيف دار البلدية)

حاولنا أن نتعقّبه في فوربورخ فذهبنا إلى أرشيف البلدية وقدّمنا طلبا للحصول على وثائق تشتمل على مصورات وخرائط للمناطق المأهولة من المدينة في القرن الذهبي (السابع عشر). وبعد نحو ساعة ونصف، كنّا أمام طاولة واسعة تزخر بالخرائط والمدونات التي تعود إلى منتصف القرن السابع عشر، وهنا لابدّ أن أشكر السيدة (آني نيلمان) التي منحتنا نحو ساعة من وقتها الثمين وكذلك لألمعيتها في تعريفنا بالمواضع المأهولة والتي مازال بعضها قائما، وبعضها الآخر اندثر بفعل تقادم الزمن والحاجة إلى التوسّع والعمران مع بداية القرن التاسع عشر. ثمّ اتصلنا بصديقنا (عزوز إفزارن) ليلتحق بنا من شرق هولندا وليفيدنا بدرايته الواسعة باللهجات الفلامندية القديمة، وهذا ما كان أثره بالغا في قراءة مجموعة من النصوص وأسماء الأمكنة والمدونات التي تذيّل بها الخرائط أو تلك التي تكون على هيئة هامش يحيطها. في الحقيقة لم تكن هناك أمكنة كثيرة باقية من عصر سبينوزا سوى شارع هيرن سترات، الذي يمتدّ لنحو 300 متر، و قصر هوخينس وبعض الأبنية على ضفاف نهر (ده فليت).




(الانتقال إلى لاهاي)

ثم انتقلنا من أجل أن نستبطن الكائن والمرحلة الأخيرة من حياته إلى مدينة لاهاي، حيث انتقل سبينوزا ليكون في حماية (joan de Witt)، الذي منحه مبلغا سنويا قدره 200 فلورين ليكون في وسعه أن يعكف على تأليفه وحسب.
ويان ده فت (1625-1672) كان رئيس الحزب الليبرالي ورئيس أقاليم الدولة الهولندية منذ عام 1653 وحتى مقتله عندما كان في زيارة لأخيه في السجن عام 1672، وكان علما رياضيا مرموقا وترك كتبا نفيسة وصديقا حميما لسبينوزا ويشترك معه في خصلة العزلة التي يرى الكثيرون ممن تناولوا سيرته أنها كانت حاسمة في موته وحيدا ومعزولا وبلا أتباع.
وهنا أريد التأكيد على صورته وصورة أخيه هما محفورات أصلية على معدن النحاس تعودان إلى ما قبل مقتلهما. أما الصورة التي تتناول مقتلهما فهي طباعة أصلية على معدن النحاس وتعود إلى عام 1744 وكذلك الشأن مع صورة سبينوزا فهي محفورة طباعية أصلية نادرة تعود إلى عام 1730.
قبل انتصاف الظهيرة كنّا قد بلغنا البيت الذي قضى فيه سبينوزا سنواته الأخيرة. كان من ذات الطراز الذي شاع في غرب هولندا بعد عصر النهضة، وهو الطراز المدني المبني بالآجر المطبوخ والذي يرتفع فيه الحائط على امتداد أدواره حتى يبلغ العلية التي تأخذ هيئة مثلثة تشتمل على البكرة الضخمة والتي كانت تستخدم كعتلة لرفع الأوزان الثقيلة التي يراد إدخالها إلى المنازل من النوافذ.
كان وصولنا في يوم يُطلق عليه (أوبن داخ) أي اليوم المفتوح، وفيه تمّ عرض مقتنيات سبينوزا وحاجياته الشخصية ولم تكن سوى سرير منخفض، وربما هو ذات السرير الذي نازع أخته وزوجها عليه بعد أن رفعا دعوى قضائية من أجل تجريده مما ورثه عن أبيه. وعندما ربح الفيلسوف الدعوى فأنه احتفظ بالسرير الخفيض وترك ما سواه لأخته، وكذلك خزانة قديمة للكتب ترتفع نحو مترين، وطاولة وكرسيّ مبطّن بالأدم وشمعدانات وأختام.

فكّرت لبرهة في الكائن الذي كان يشغل هذه المساحة.. الكائن الذي كانت أصابعه تمتد إلى هذه الخزانة، الكائن الذي ترك رائحة غيابه تتطلّع إلى طاولته وكرسيّه.. الكائن الذي كان يعكف على تقشير وحدته من أجل أن تكون حادة بما يكفي ليموت وحيداً ودون أن يعرف احد سوى صديقه لويس ماير بنوبة السعال التي انتابته والتي تركته جثـّة هامدة في عام 1677. ربّما هذا ما كان يبحث عنه منذ أن خرج من أمستردام والتي لم يعد إليها إلاّ عندما حاول أن يطبع كتابه (الأخلاق) في عام 1675، ولكنه تردّد بعد أن وجد تحالفا لاهوتيا محكما لتسقيطه. ولم يُطبع الكتاب إلاّ بعد وفاته عندما أوصله إلى ناشره بعد أن احتفظ به في خزانة مقفلة وأوصى صاحب المنزل أن يوصله بنفسه.
من العبث أن نفكّر بالجدوى التي جعلت بلدية لاهاي تفتح شارعا للبغاء المرخّص أمام بيت سبينوزا تماماً، البيت الذي قال عنه ارنست رينان عند تدشين تمثال الفيلسوف القريب منه (ربّما لم يعرف أحدٌ اللهَ عن كثب؛ مثلما عُرف هنا من قبل سبينوزا).
 


(على خُطى الفيلسوف)

عندما أردنا أن نتعقّب سبينوزا والطريق التي كان يسلكها ليصل إلى منزله في شارع بافليونس خراخت (Paviljoens gracht) بدأنا بخارطة لاهاي التي تعود إلى القرن السابع عشر، فلم تكن الشوارع هي ذاتها ولا الأمكنة هي ذات الأمكنة التي كان يواصل الفيلسوف عبوراته من خلالها. لم يكن هناك سوى بيت رعاية المسنين والمرضى وكان هذا النزل الكبير قائما في أيامه ومدعوما من قبل رئيس الحزب الليبرالي صديقه الأثير (Jaon de Witt) وكذلك كنيسة لاهاي الجديدة التي بنيت في عام 1657.

انعطفنا نحو النهر وسرنا بمحاذته نحو مئتي متر قبل أن نستدير لندخل شارع (Spui) المديد. كان المطر قد بدأ يهطل منذ نصف ساعة، انه المطر الذي لا يمنحك فرصة إلا لتؤمن بمدى عبثيته وحرصه على المراوغة، إذ يهطل في ذروة قناعتك بيوم حافل بالشمس والدفء. وهكذا وصلنا دار البلدية المقابل لأبرشية لاهاي ونحن مبلّلين تماما، دلفنا إلى مقهى (Stout) على عجل لنحتمي من المطر، وقادتنا النادلة في رواق طويل تتوزّع على جانبيه مناضد خشب الجوز وكراسي بنيّة بمساند خفيضة حتى بلغنا واجهة زجاجية واسعة تبدو من خلالها أشجار الأيب (Iep) المبثوثة بغير انتظام في باحة الكنيسة الأمامية وكأنها تحرس مدخلها الموشوم بطيور البجع وتاج أورانج، وجاءنا على حين غرّة صوت النادل:

- إنه المكان الوحيد الذي يجعل المطر رائعا وسلسا وطيّبا.

كان السقف الزجاجي يُشعرنا كما لو إننا لم نغادر الشارع بعد. كنّا محفوفين بالمطر ورائحة أشجار الأيب والجوز. شربنا الشاي بالليمون والعسل لنتمكن من مجابهة البرد، وتحدثنا قليلا عن معجزات قديمة، معجزات لم يعد في وسعنا أن نتخيّل يومنا يعبر إلى الجهة الأخرى دون أن يحفل بها.
إذا توقّف المطر، فأنها معجزة لا ريب، وكذلك إذا استطاع فيليب أن يقنع النادل بلغته الإنجيلية بجدوى وجود أشجار (الأيب والجوز) في باحة الكنيسة مادامت لم تتحوّل إلى أيقونات حيّة؟
خرجنا بعد توقّف المطر وسرنا مع امتداد شارع (Spui)، صرنا نقشّر الهواء كما لو أننا سائحون قدامى فقدوا بوصلاتهم وذخيرتهم، قلت موجّها كلامي إلى عزوز:
- النساء أيقونات حيّة، أليس كذلك؟
نظر عزوز إلى امرأة تعبر بقامتها المديدة ناحية مبنى العدل القديم وهي تحمل مظلة واسعة.
- نعم النساء أيقونات حيّة - ثم أردف وهو يشير نحو المرأة الفارعة - أحدس أن امرأة كهذه لا يمكن أن نراها إلاّ في يوم ماطر كهذا اليوم، وتحديداً بعد أن يكفّ المطر عن هطوله ونحن نغادر مقهى محفوفة بالمطر كمقهى (Stout).
وهنا استدرك رونالد سريعاً:
- ولا يمكن أن تعبر بقامتها المديدة إلاّ ناحية مبنى العدل.
تابعنا طريقنا باتجاه البرلمان وبحيرته (Vwer) كما كانت تُكتب في الهولندية القديمة والتي حُفرت مع أقنيتها قبل العصر الصناعي، وهناك شاهدنا اثني عشر زورقا يحمل كل منها خمسا وعشرين أصيصا مليئة بأزهار التولب لتمثّل أقاليم هولندا الأثني عشر، وكان المعرض للفنان (Jas). قال رونالد ضاحكا:
- يجب أن نعود أدراجنا إلى مقهى (ستاوت).
- ولماذا نعود، لم ننس فيها سوى رائحة غيابنا.
أجاب:
- إذن يجب أن أعود بمفردي لأقنع النادل أن التولب أيقونات حيّة.
كنا نحتاج في تلك البرهة لأي موضوع يجعلنا نضحك كما لم نفعل من قبل، فقط لنبدو جديين ونحن نواجه الشوارع التي غمرتها رائحة الفيلسوف قبل 325 سنة.


(نوارس فايفر)

انتقلنا إلى الجهة الأخرى من البحيرة والبرلمان بموازاة (Vwer Bergh)، وكانا يظهران بوضوح في الخارطة القديمة التي معنا، وصرنا نتفرّس في النوارس وهي تنتقل بخفة بين أشجار الجوز والجزيرة الصناعية الصغيرة، (كانت الجزيرة تظهر هي الأخرى في الخارطة). مظهرنا ونحن نتفحّص الخارطة ونهتف بصوت واحد في كلّ مرة نكتشف فيها أثرا مازال محتفظا بهيئته منذ ما قبل عصر سبينوزا جعلتنا نبدو أمام مرتادي المكان كما لو أننا سائحون قدامى فقدوا بوصلاتهم وانفرط المكان من حولهم.
الأرض التي كان يجوسها الفيلسوف بحذر وكأنه يجسّ نبضها، أصبحت مفتوحة على بعضها، وصار بإمكاننا من موقعنا أن نشاهد المكان الذي قتل فيه (الغوغاء) صديقه يان ده فت (Joan de Witt) وأخاه (كورنيلس Cornelis de Witt) حاكم مدينة (دوردريخت) بعد أن حمّلتهما مسؤولية هزيمة القوات الهولندية على يد الفرنسيين عام 1672.

كم يبدو المبنى من هذه الجهة من لاهاي موحشا ومحايدا، المبنى الذي فقد قدرته على الحياة في اللحظة التي وقف يان دفيت وهو يشهد تمزيق أخيه كورنيلز دون أن يتمكن من دفع الموت عنه وعن نفسه. أراد أن يغمض عينيه ليتّسع خلف مشهد القتل. القتل جريمة لا يمكن تبريرها حتى وإن كانت قصاصا، هذا ما كان يجب أن يسود كما أراد الفيلسوف دوما وهو الذي دفعه إلى أن يكتب المنشور الناريّ والذي كان محاولة ليدفع إرثه إلى حافة جديدة، حافة زلقة وخطرة وتبديدا لروحه التي نضّجتها عزلاته منذ أن خرج من أمستردام لولا أن تمكن بعض أصدقائه من تعطيل قراره.



(الفيلسوف متوحّداً)

البيت، بيت سبينوزا، بأطياف حياته ومقتنياته الشخصية القليلة التي جعلتنا من فرط قلّتها وزهدها نفكّر في العزلة على نحو مختلف تماماً. العزلة التي عكف على تربيتها طوال حياته والتي لم يخرج منها إلاّ عندما قتلوا صديقه الأثير (ده فيت).
فقد سبينوزا كلّ شيء، كل شيء، وبغتة وجد نفسه وحيداً تماماً وأعزل حتى من صيحته. أوصى الفيلسوف أن يُدفن إلى جانب صديقه الأثير عند موته ولقد تمّ دفنه في الباحة الخلفية من كنيسة لاهاي الجديدة. والآن وفي حديقة الأيب والجوز الخلفية ليس في وسعنا أن نرى سوى شاهدة واحدة تشير بثبات إلى بندكتوس سبينوزا.