‏إظهار الرسائل ذات التسميات أنهم يقتلون الغائب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أنهم يقتلون الغائب. إظهار كافة الرسائل

السبت، يوليو 24، 2010

أنهم يقتلون الغائب

حدث هذا عندما دخل السّيد محسن النقيب جناح الجوشن الكبير في بيت العائلة بباب الطاق, وأحصى الخواتم وسلالاتها كما اعتاد أن يفعل منذ أيام حداثته , ولم ينس أن يرمق عمامة السلطان حسن التي وضعها جدّه في آخر الجناح على عمود خشبي كان شيوخه من الرشتية يؤكدون انّه العمود الذي صُلبت عليه قرّة العين بنت صالح البرغاني.
ثانية أخذ يقلّب الخواتم بعينيه وهو يتابع حزوزها الدقيقة ولون أحجارها الذي بدأ ينصل ويشحب. إنّها خواتم حروف الحيّ الثمانية عشر الذين مرّوا بكربلاء وتركوا خواتمهم مع شيخ الطائفة السلطان حسن حتى ظهور الغائب وخروجهم معه كما وعدهم في واحدة من ظهوراته النادرة.
آخر مرّة ظهر فيها الغائب كانت في خان النخيلة, وهناك تحت شجرة توث غليظة أعطى قرّة العين آخر خواتمه وقال لها يومئذ:
ـ بك اكتملت حروف الحي, فإذا ما رأيتِ علامات الساعة فادفعيه إلى السلطان حسن. وهو الذي سيقدر على تكليمها من بعدي والعناية بسلالاتها, سيصفّ ذكور الخواتم على لوح وإناثها على لوح آخر ويزوجهنّ ببعض.
قالت قرّة العين وهي تضع الخاتم في خنصرها وتتأمّل فصوصه السبعة:
ـ من هذا الذي يصارع الأسدين في خاتمي؟
ـ إنّه دانيال وهذا رسمه والخاتم الذي بيدك كان له.
ـ وهل خاتم دانيال ذكر صالح؟
ـ عندما تُبعثين معي ستعرفين ذلك من سلالته إنْ كان خاتم دانيال ذكرا صالحا أم مشركا.
كانت قرّة العين تقلّبه بأصابعها عندما سمعت الغائب يخاطبها بصوت خافت : سأدخل شجرة التوث أما أنتِ فأرجعي إلى باب الطاق وأخبري السلطان حسن بأمري.
رجعت قرّة العين متخفيّة إلى كربلاء ورأت عند مرورها بباب السدرة كهولا بعمائم بيضاء وسوداء وخضراء منهمكين بتوجيه فريق من الرجال يثبّتون عمودًا غليظًا إلى الأرض.
حدست إنها علامات ساعتها ... تأكدت من أن العباءة تلفّ جسدها النحيل ولن تشي بها , تابعت طريقها إلى ديوان السلطان حسن ، وعند الباب رأت رجلا كان لفرط نحافته يمسك حقيبة ثقيلة من الجلد حتى لا يطير مع تيارات الهواء التي تنبعث من باب شيخ الطائفة , ناولها الرجل النحيف مخطوطًا صغيرا وقال:
ـ إنهم يعدّون العمود لصلبك , اختاري صفحة من هذا المخطوط وضعي الخاتم عليها, فإذا اختلط حبره الزاجي بفصوصك السبعة فأن الأسدين سيأكلان دانيال وستموتين هذه الليلة , وإذا نجا دانيال ومات الأسدان فأخرجي من الباب الخلفي للديوان حتى تصلي السعدية عندها ستجدين رجلين يصغيان إلى بعضهما ولا يتكلمان البتّة , سيعرفانك ويقودانك بعيدا.
فتحت المخطوطة وقرأت ( كان الرجال يقولون أنّ البئر أولى بجسدها , وانّ حروفها ستنفرط وتنحلّ في الماء فلا يبقى من الحي ذكر بعون الله ومدد أوليائه الصالحين ) ثمّ وضعت خاتمها , فصار الحبر الزاجيّ يختلط بفصوصه , حتى أكل الأسدان دانيال .
ـ لقد مات دانيال أيها الرجل
ـ ستموتين هذه الليلة يا بنت صالح البرغاني.
ـ من أنت ؟
ـ محمد زمان, ثمّ ناولها منديلا حريريًا أخرجه من حقيبته الجلدية..
(حدّث أحدهم إنّها لم تصلب على العمود بباب، السدرة بل خنقها الجلاد بمنديل الرجل الغريب , ورموا بجثّتها في بئر مهجورة)
هذا ما سمعه السيد محسن النقيب من جدّه وهو يمسك المخطوطة التي منحها الغريب للسلطان حسن قبل أن يقوده الرجلان اللذان يصغيان إلى بعضهما.
فتحها وتطلّع إلى المكان الفارغ لخاتم قرة العين الذي لم يستطع أن يستردّه.
ـ ماذا سأقول لقرّة العين إذا جاءت إليّ مع الغائب وطالبتني بذريّة خاتمها. قال محسن النقيب بصوت يشبه حشرجة قديمة وهو يسند رأسه إلى العمود , تململ قليلا وذهب باتجاه النافذة , ومن هناك أخذ يتطلّع باتجاه باب السدرة, فرأى رجالا بعمائم بيضاء وسوداء
وخضراء.
ما الذي يحدث ؟ تمتم بصوت خافت، ثم تطلّع ثانية وهو يحاول أن يعرف ما الذي يجري في الخارج.
هل رجع الغائب مع حروفه الثمانية عشر ؟
.. من سيصلب على العمود هذه المرّة ؟
وضع عمامة السلطان حسن على رأسه أرتجف قليلا... قليلا جدا ,
ولأسباب غامضة لم يستطع تحديدها , أحسّ بالشفقة على شيخ الطائفة. ثبّت العمامة على رأسه بحركة تبدو وكأنه اعتاد عليها منذ سنوات طويلة، رفع رأسه وحدّق في العمائم بباب السدرة فرأى رجالا يثبّتون جذع غليظ إلى الأرض.
ولم يعدّ يتذكّر كيف رفع الهواء جسده من جناح الجوشن الكبير إلى الخارج وطاف به في باب الطاق حتى وصل إلى السلطانية وباب السلالمة, ولكنّه تذكّر إنّه لوّح طويلا لامرأة ابتسمت له من نافذتها قبل أن يسقط على العمود ويأخذه ذوو العمائم الملوّنة.
أغمض السيد محسن النقيب عينيه، وصرخ بصوت طويل:
ـ إنّهم يقتلون الغائب.