الاثنين، أغسطس 09، 2010

حقل رماية أخضر

(رسالة من أجل ممدوح جاسم)


(1)
حقل رماية أخضر، الظلام أخضر كثيف، يضرّس الأشياء
هكذا بدأ الأمر، كان عليك التصديق أن شيئا ما، لا يمكنك تأكيده ولا حتى نفيه يدفع الأشياء بعيدًا عن صيروراتها الحقيقية
الشجرة لم تعد شجرة لأنها خضراء أكثر مما يلزم لشجرة.
كنت تبتسم من أجل الميم لأنها تكررت في اسمك لمرتين
وتبتسم من أجل الحرب لأنها كانت حقيقية لدرجة أنها احتفظت بجميع أصدقائك.

(2)
الباب أخضر، يدك التي تمتدّ إليه خضراء، وكنتَ ترى أنها خضراء وتضحك من أجل ذلك.
كنت تصعد السلّم إلى العليّة عندما سمعتك زوجة أخيك تضحك بهستيريا، وكان عليك أن تقنعها لتضحك معك من أجل كل الأشياء الخضراء التي امتلأ بها البيت على حين غرّة.
ولكن ما جعلك لا تكاد تتوقف عن الضحك هو الحمام الأخضر. كان يطير أخضر، يحطّ أخضر، وكنت تضحك لأن زوجة أخيك خضراء هي الأخرى ومع هذا لا يمكنها أن تطير ولا أن تحطّ ولا حتى أن تضحك من كلماتها البطيئة التي كانت تخرج خضراء.

(3)
طوال أيام وأنت تضحك، ثمّ قرّرت تصديق أن ما حدث لم يكن سوى معجزة، وبعد أيام أخرى حدست أنها ليست بمعجزة وحسب، بل هي رسالة عليك أن لا تتردّد في تبليغها.
وهكذا احتجت ليومين من التبليغ لتخسر كل أصدقائك الخضر.
ما تتذكره يا ممدوح هو الرجل الذي كان يتحدث عن ضرورة أن تتوقف تمامًا.
كان جادًا وأخضر أكثر من المعتاد، ولقد جعلك تخاف أول الأمر، ثم بعدها كان يظهر بسكين قصيرة وينبش كيسًا رقيقًا أبيض، أبيض قليلا ويتسلّل إلى أحلامك، يباغتها ويغرز النصل في كل الأشياء التي لم تكن خضراء بعد.
(4)
مكثت ثلاثة أشهر في غرفتك ولم تبرحها، كان نحيبهم يصل إليك، تشعر بهم يتجمعون خلف الباب ويصغون إلى حديثك عن كل الأشياء الخضراء التي لم يعرفها أحد كما عرفتها، وستتذكر دائمًا تلك السكين التي كانت تقشّر اسمك بدأب وصبر عجيبين، كانت تفتح جرحًا صغيرًا في ميم ممدوح، فتقرأه سمدوح، أو تمحوه تماما فتقرأه مدوح، وأحيانا تنبش ثقبا صغيرا وتطمر فيه الدال أو الواو ، وكنت تحدس أن الحاء وحدها لم تكن خضراء بما يكفي لتطمرها رغم كل الثقوب التي كانت تشبه فخاخًا كثيرة في الطريق إليك.

(5)
هل كان عليك أن تتركنا نتعقّبك؟
هل تشعر أننا سنصل أخيرًا ونستردّ كل الأشياء التي فقدناها؟
لم تعدْ تكلّمَ أحدًا ولا تشير إلى شيء ولا ترغب في النوم، ولم تعد تعرف الأحد والأربعاء والجمعة، وأن أسبوعك من يومين ويومك من أربع ساعات وسنتك لا تزيد على الشهر وأنك بدأت تشعر بالشيخوخة والهرم، وصرت تتحدّث مع أبيك كما لو كان آخر أبنائك الأحياء الذين فقدتهم في معتقلات الحرس القومي قبل 45 عاما.
وفي تاسع سنة خضراء صرتَ ترى إلى الجميع على أنهم ليسوا في حقيقة الأمر سوى كائنات خرجت من صلبك. إنهم ذريتك، أنت من أخرجتهم إلى هذه الحياة وأنك مسؤول عن الحروب الكثيرة التي تجعلهم يغادرون مبكرًا، كنت تحدس أن ميتاتهم لا يمكنها أن تستمر دون أن تمعن في تمزيقك، وكنت لا تجد أسبابا كافية لتجعل بعضهم قتلة وبعضهم الآخر ضحايا.
إنهم ذريتك في نهاية الأمر يا ممدوح.

(6)
الموت اليوميّ يجعل روحك تتثـلّم وتتفسّخ، وأكثر من كلّ ذلك كانت تدفعك إلى الصمت وإلى أن تتفرّس يما يمكن أن يكون قادرًا على فعله موت آخر فيك.
وحدث أن تحدّثتَ في شارع السدرة بكربلاء إلى جنديّين بصوت أخضر، وضحكت لأن أحدهما أخضر، وضحكتَ مرة أخرى لأن الآخر يشبهه تماما، ورغم أن الأمر يحدث مع الجميع إلاّ أن لهذا النوع من ذرّيتك شهوة إلى جعل الأشياء متماثلة حتى لا يكون في طاقة أحد تمييزها عن بعضها.
تطلّعا إلى سحنتك قليلا ثمّ دار أحدهما حولك. كنت تتحدث عن ضرورة أن يصدّقا أن الأشياء لا يمكنها أن تمكث لأكثر من لحظات على صورة واحدة، وعليهما أن يدركا أن الساعة كافية لتكون يوما كاملا وتاماًّ وأن اليوم بوسعه أن يكون أسبوعًا بقليل من التدبير، وأن قتيلا واحدًا يكفي لنشعر كلّنا بالموت.

(7)
بعد عشرة أيام كنت لا تزال حيّا، كانوا رجالاً من ذرّيتك تدفعهم شهوة القتل إلى ضربك وتدليتك منكوسا على رأسك لأيام. فكّروا بكل ما يمكنه أن يجعلك تصرخ وتعترف ولو لمرّة واحدة أن الألم ليس أخضر كما كنت تردّد بهدوء ووضوح.
ولكن الألم أخضر يشبه ذرّيتك يا ممدوح.
(8)
خرجتَ من (شعبة الأمن) وأنت وأن تفكّر بآخر الأشياء التي لا يمكن لأحد أن يصلها قبل أن ينجح في عزل بدنه عنه.
وهكذا ذهبتَ إلى الغرفة المهجورة ببيت البستان ومكثت طوال خمسة أيام تعزل بدنك عنك.
خلّصته يا ممدوح من كل الأشياء الخضراء التي علقت به منذ أحد عشر عاما. قشّرتها بصبر وجمعتها في أكوام صغيرة لا تكاد تُرى، حتى تمكنتَ أخيراً من رؤية أوّل شيء أحمر. كان أحمر تماما، أحمر كما لو أنه ما يزال أخضر.
وقبل المساء صار بوسعك أن ترى الأزرق والأبيض.
(9)
لم يعد هناك من يصغي إليك. كانوا سيصدّقونك بالتأكيد يا ممدوح وأنت تتحدّث للمرّة الأولى منذ سنوات عن أشياء بيضاء وزرقاء.
كنت تحتاج إلى من يسمعك تتحدّث عن كائنات قزحيّة تتطاير في الغرفة، بعضها يعلق على زجاجة المصباح قبل أن تسقط إلى الأرض.
بعد أسبوع وجدوك مقرفصاً في الزاوية، تحدّق في الفراغ، وسيتذكرون طويلا أنك كنت تبتسم أيضا.
لقد كان موتك آخر الفخاخ التي تقودنا إليك يا ممدوح.



أرقٌ أبيض

إنّه أنت، أعرفك من طريقتك الفريدة في النظر إلى الأشياء، لن تمنحك محاولاتك الكثيرة في الهرب سوى هيئة سائح ضلّ طريقه في مستنقعات سامة!


أعرف أنك قضيت أربعة أيام محموما في إسطبل مهجور قرب الفاو بانتظار سفينة شحن يقودها رجل من دارين، ومرة أخرى هدّدك دليلك البدوي ببندقية صيد وتركك تواجه مصيرك في الصحراء التي تمتدّ أسفل بحر النجف ومكثت أسبوعين تأكل الحرف البريّ حتى ظهر أمامك على حين غرّة دير لم يعرف بأمره أحد من قبل. دير مازال رهبانه يعدّون خططاً ومكائدَ حربية محكمة للإيقاع بجيش خالد بن الوليد ويتناقلون بجزع تخريبه ديارات شفاثا وكنائسها وعندما اقتربت منهم باغتوك بمنجنيقاتهم وسيوفهم وخوذهم وتروسهم اللامعة وصيحات الحرب القديمة. ولكنّهم صدّقوك أخيرا واحتفظوا بجواز سفرك بعدما مكثوا ساعات يتفرّسون فيه مأخوذين. وبعد يومين كنت تتجوّل في حقولهم الصغيرة وتتحدّث بحماسة عن طبيعة الرب يسوع.
كنت أحب أن أعرف إنك لم تكن تنم؛ لأن الهرب كان يقوّي ذخيرتك من الأرق. وكنت أحبّ أرقك، أحبّ الهالات الداكنة حول عينيك، وكذلك إشاراتك الواسعة وأنت تتحدث عما يمكن أن يفعله بك دليلك الجديد. يا إلهي كم كانت ليالي أرقك بيضاء وطويلة، كنت أرى إليك وأنت تخرج في الفجر بمعطفك الذي يجعلك تبدو مثل نبيّ متنكّر، ومرات وأنت لا تكتشف سيجارتك إلا بعد أن تحفر جذوتها أخدودا في لحم أصابعك.
إنك تصغي إلى صمتك، وأعرف أنك تضيء أحيانا، سيبدو تصديق هذا أمر غير محتمل، ولكنني كنت أصدّق أنك تضيء وأن ضوء أرقك الأبيض ليس سوى سطوعك. وأحببتك مرة أخرى، وعندما اندلعت الحرب، أعني تلك الحرب التي تلت الأخيرة كنت أصلّي من أجل أن يتسلّل سطوعك إلى ليالي أرقي الأبيض. وكنت أضيء من أجلك.
لقد تزوّج أخي منذ ثلاثة أعوام وفي آب الماضي صارت أختي الصغيرة أمّا للمرة الثانية، وأبي فقد عقله قبل نهاية الحرب ولم يغادر الملجأ منذ ذلك الحين. ومازلت أحرس وحدتك البيضاء وأرقك المضيء.
إنه أنت، أعرفك من طريقتك الفريدة في النظر إلى أعدائك على أنهم مخلوقات ليست مجنّحة تماما ولكنها قادرة على الطيران. أعرفك من الجلبة التي تسعى إلى افتراس صمتك، أعرفك من الحرب التي دخلت إلى غرفتك وسحبتك إلى الشارع، أعرفك من القتلة الذين يتربصون بك. أعرفك من رأسك الذي حفرت أرقه الأبيض سبع رصاصات.
قبل سنوات سمعت من صديق في (سوق الشيوخ) حكاية عن طفلّ كان يخوّض مع جواميسه في هور الحويزة عندما هبّت رياح شديدة كان يطلق عليها الأهواريون (الحمرة) جعلت القطيع يُصاب بالثول وهي تسمية محلية للحالة التي تجعل الجواميس تضرب في عرض الهور ولا تهدأ حتى تسكن الرياح. وبعد ثلاثة أيام كان القطيع قد بلغ مكانا لم يقصده أحد من قبل في الأهوار التي تنفتح على بعضها وتمتدّ لآلاف الكيلو مترات المربعة. حدث ذلك منذ أمد بعيد بلا ريب إذ أن الحكاية وكما هو شائع ومعروف في مثل تلك التي من جنسها تنتهي باكتشاف رجل معفّر مع قطيع كبير. وبالطبع فإن ذلك لا يحدث إلاّ بعد أن يكون والداه وأقاربه قد يئسا من العثور عليه وانتهى بهم الأمر إلى التسليم بموته رغم أن الحدس الأمومي يقوّي ذخيرة الأمل الضئيلة بفرص نجاته بين وقت وآخر، فإذا طرف مرمشها أو تعذّر عليها ابتلاع لقمتها أو دخلت سلحفاة إلى حوش الدار القصبيّ فسيكون السبب غالبا هو الابن. أما الأحلام التي يظهر فيها بهيئات وصور مختلفة فإنها حقائق تجعلها تتوفّر على أسباب كافية ليمتدّ بكاؤها أياما. وعندما يعود الصبي رجلا مع قطيعه، سيمكث أسابيع دون أن ينبس، وستعود أطباقه كما دخلت عليه، وسيبتسم أحيانا تلك الابتسامة الملغزة ليدفع عن عائلته الجديدة فرصة التفكير بمدى جدية المشاكل التي سيواجهونها إذا ما بقي معهم. وستكون الكائنات الصغيرة التي تحيطه وتتودّد إليه هي أكثر ما يدهشه. إنهم إخوته. أما النساء اللواتي يحاولن في الأيام الأولى إخفاء وجوههن عنه فهنّ أخواته.
وعندما سينسحب الجميع ويكون عليه مواجهة نفسه أخيرا فإنه سيتسلّل إلى حظيرة الجواميس وسيرى إن كانت هي الأخرى موضع افتتان عائلته وأقاربه. ستكون عزلاته التي مكثت طبيعة الهور القاسية لسنوات في تربيتها بصرامة مهدّدة بعشرات الوجوه التي تباغته بابتسامات عميقة، وسيتعيّن عليه ترديد المفردات التي اجتهد في تعلمها طوال الأيام الماضية لمواجهة مثل هذه الحالات.
هذه الحكاية التي لا نفتقد إلى سماع -وربما قراءة- أشباه لها سمعتها بعد سنتين من مكوثي مع دليلي البدوي بين نواويس منقورة في الحجر في الصحراء التي بأسفل بحر النجف وعليها كتابات بالحرف الأسطرنجيلي المقدّس لسريان الشرق وربما كانوا من نساطرة الحيرة أو من نصارى أياد أو تغلب.
حدّثني دليلي عن خرائب كثيرة وعن نواويس أخرى على مسيرة نصف نهار وأكّد أن بعض هذه الخرائب مازالت تحتفظ بجدران منقوشة من جنس هذه الكتابات وبعض سقوفها وحجراتها لم تفقد تصاويرها بعد. وبالطبع لامناص من تصديقه إذا عدنا إلى كتب الديارات ومعاجم أسماء الأمكنة فهي تدّخر في أحشائها عشرات الديارات التي كانت قائمة في هذه الأنحاء حتى عصور متأخرة. أنها ديارات نبط السواد الذين اندفعوا شمالا وفي أحيان أخرى إلى الجنوب بعد أن جرى تمصير مدنهم وفرض الجزية عليهم.
أثناء وجودي في رفحاء ومع المحاولات التي تواترت بصرامة لعزلنا. صرنا محض كائنات لا وجود حقيقي لها خارج ذاكرتها وكانت هذه أسباب كافية ليتدفّق الماضي في أخاديد عميقة فينا ولينتهي بنا الأمر إلى أن نكون كائنا هائلا متلاحما بذاكرة واحدة. وكان هذا من الأسباب التي جعلتني أستعيد بعد سنوات حكاية الأهواري المفقود والدير الذي عكف رهبانه على تجميع النبيط في قرى صغيرة وأحاطوا مستعمرتهم بسياجات وجدران منيعة.
لقد عاشوا أجيالا عديدة من أجل إدامة الرعب وتوريثه وجعله حيا وأبديا فيهم. وحينما عرفوا بتخريب أديرة شفاثا وبيعها التي يعود أقدمها إلى أحد حوارييّ المسيح وتحريق نخلها، دعاهم هذا إلى الانقطاع عن العالم في الصحراء وفعلوا كل ما من شأنه أن يضمن عدم التفريط بعزلاتهم وخروجهم على قداسة جثالقة الحيرة وأخذوا يتلقّون تعاليمهم من خلال منامات الآباء والحدس والمدد الربوبيّ. وإذا ما أمعنت بصري في عزلة الأهواريّ فإن الأمر سيقودني إلى تصديق إن المكان الذي بلغه مع جواميسه لم يكن معروفا ولم يطأ (تهله) أحد من قبل، وكان يعيش عزلة تجعلني أردّد:
- لاشيء يشبه عزلة الماء في الماء.
وهذا تماماً هو الشأن مع الدير والكائنات التي تدبّ في أحشائه وتفعل أشياء غامضة من أجل إدامة الرعب حيّا ومشحوذاً، ولكن وكما يحدث غالبا فإن الأهواريّ الذي عاد رجلا سيجد طريقة ليتخلّص من هذا الكائن الذي استيقظ فيه بغتة. وهو السبب ذاته الذي سيجعل الرجل الذي عاد من الدير مدفوعاً بذات الأسباب إلى أن يبتسم سبع مرات أمام بنادق قتلته.














أكتوبر 2006






-----------






هوامش:


1ـ بحر النجف: منخفض تشرف عليه مدينة النجف الحالية التي كانت من مستوطنات نبط السواد(وهم السكان الأصليون للعراق). يمتد حتى يتصل ببادية السماوة التي تصعد حتى صحراء النفود الكبرى.
2ـ سوق الشيوخ: قضاء يتاخم مدينة الناصرية التي استمدت تسميتها من ناصر السعدون أحد شيوخ قبائل المنتفق، وجرى تخطيط القضاء وتعميره في عهد مدحت باشا في نحو عام 1868.
3ـ جثالقة: ومفردها جثليق وهو المرجع الأكبر للكنيسة النسطورية في العراق والعالم.
4ـ التهل: مواد عضوية احتاجت إلى آماد لتتماسك وتكون بسمك يقرب من المتر أحيانا وتطفو على سطح الماء ويبتني عليها الأهواريون بيوتهم القصبية.

حدائق معطوبة

( MSN )

ـ أنت ؟

ـ نعم أنا.
ـ أنا إيمّا ، تتذكّرني، أليس كذلك ؟
ـ إيمّا ؟ لا أتذكّر أنني تعرّفت على امرأة بهذا الاسم .
ـ ولكنّني إيمّا موظفة البنك ، المرأة اللزجة كالبطم البرّي كما سمّيتني في آخر مرة وأنت تضحك .
ـ أسف سيدتي ، حقا لا أتذكر أنني صادفت امرأة بهذا الاسم ، وعليّ أن أؤكد لك أن هناك ما يجب توضيحه ، فانا لم أعرف موظفة بنك من قبل .
ـ وكيف تحادثني الآن إنْ لم تكن تعرفني جيدا للدرجة التي لم تتردّد في إضافة اسمي ؟
ـ سيدتي ، لم أدخل إلى (الماسنجر) منذ أربع سنوات ونسيت الكثير من أصدقاء تلك الأيام .
ـ ولكنني إيمّا ، إيمّا التي حدّثتها عن شاحنة مليئة بملائكة مدجّجين ببنادق قديمة ، كانوا يأتون المدينة بحافلات ويطلقون النار على المارة.

ـ نعم ، أعرف هذه القصة ، كتبتها منذ أحد عشر عاما ، ولكنني لا أعرف إيمّا التي تعرف ملائكتي!!
ـ إيمّا يا سيدي ، أقسم أنني إيمّا ، المرأة التي صدّقت أن الظلال البيضاء الشاحبة ليست سوى رجال بدون قبّعات يطيرون عاليا من أجل أن يرسموا خرائط بوحدات قياسية حقيقية .
ـ إيمّا ؟ ، إيمّا ؟ .. أين يجب أن أكون قد التقيتك ؟
ـ في مقهى "انشتاين" ، وقلت لي بعد نصف ساعة : أيتها الطويلة والناحلة ، سأحدّثـك عن أنساب النخيل والسدر .
ـ إيمّا هل يجب أن أصدقك ؟
ـ أرجوك، عليك أن تصدّقني. منذ سنوات وأنا أترقب دخولك ، تذكّر إيمّا ، تذكّرها أرجوك . أخبرتها ذات يوم وأنت تلوّح بيدك وكأنك تحكّ الهواء أمام وجهك أنّ ابن سينا مات منتحرًا. هل تتذكّر ذلك ؟ كنت قد انتهيت للتوّ من قراءة رسالة الطير .
ـ نعم أتذكّر إنني صرتُ مقتنعا تماما إنّ ابن سينا مات منتحرًا ، حدث هذا بعد أن أتممت رسالة الطير كما حققتها دار برل عام 1899 ، ولكن لا أتذكر أنني تحدثت مع أحد بهذا أبدا . من أنتِ بحقّ السماء ، أنا لا أعرف إيمّا ، لم يسبق لي أن دخلت مقهى "انشتاين" من قبل .
ـ لا تقل ذلك ، لا تحتاج إلى أكثر من أن تكون مهذّبا وأنت ترفضني وأعدك بأنك لن تضطرّ إلى سماعي ثانية .

ـ آسف يا سيّدتي، أريد أن أتذكر أنني عرفتك، سيسعدني هذا كثيرًا، ولكن يجب أن تغفري لي وأنا ارددّ عليك إنني لم اعرف امرأة بهذا الاسم من قبل.
ـ يا الهي... كم كنت أريد أن تدعني وشأني، كنت أريد ذلك حقا. ولكنك تستيقظ في اللحظة التي أكون فيها مستعدة تماما لنسيانك. إنني إيمّا ، اقسم أنني هي ، إيمّا المرأة الطويلة والناحلة ، المرأة التي أخبرتها وأنت تعلّق معطفك بأنها جادة : أنت جادة كرصاصة من مسافة نصف متر يا إيمّا .
ـ ماذا يجب عليّ أن أفعل الآن يا سيدتي ؟
ـ لاشيء، لا شيء. كنت أريدك أن تعرف إيمّا وحسب . أن تتذكّرها ، أن تقودها كما كنت تفعل قبل أربعة أعوام ، أن تقول لها كلّما حدّثتك عن الصيف : إيمّا ، من الأفضل أنْ نتفرّس في الصيف عن قرب لا أن نتذكّره ببلاغة عاطلة .

ـ يجب أن أعترف أن كل ما أسمعه الآن هو ما أفكر فيه وأردّده، ولكن ألا يُحتمل أن يكون رجلا آخر يعرفني عن قرب أو يفعل أشياء لا أفهمها ليشبهني أمامك ؟
ـ آه يا سيّدي، أنه الشبيه مرة أخرى، الشبيه الذي قلت عنه ذات يوم أنه مخلوق لم يسبق لك وأن عرفته عن قرب، ولكنه ينجح دائما في جعلك تحمل الفأس وتنظر إلى الشجرة بغضب. بيد أن الأمر مختلف هذه المرة ، لأنني إيمّا . المرأة التي حدّثتك عن محاولة محكمة لتنهي حياتها . أعرف أنك لم تصدّقها ، ليس لأنها إيمّا يا سيدي ، ولكنك كنت ستفقد امرأة تعرّفت عليها في مقهى انشتاين وبعد نصف ساعة قلت لها : أيّـتها الطويلة والناحلة ، لا يجب أن تموتي قبلي . ولكنني فعلتها .

ـ ماذا فعلت يا إيما ؟
ـ المؤامرة المحكمة التي حدّثتك عنها . لقد نجحت أخيرا .
ـ أية مؤامرة تعنين ؟
ـ إنهاء حياتي.

ـ لا يبدو ذلك. ها أنت معي الآن بعد أربع سنوات على لقائنا الأول في مقهى "انشتاين" التي لم أعرفها من قبل .
ـ ليس الأمر كذلك يا سيّدي، لقد نجحتُ أخيرا، احتجت إلى أن أقتل جميع الأماكن لأقتلك. وأكثر من كل ّهذا احتجت إلى أن أكون طويلة وناحلة بما يكفي لأقنعك بالموت معي.
ـ وليس هذا صحيح أيضا يا إيمّا .. ها أنا بعد سنوات من حديثي الذي لم أخبر أحدا به عن رجال بلا قبعات يطيرون عاليا أراقب رواد المقهى بسحناتهم المتشابهة والمارة الضجرين وهم يعبرون الشارع بخطى متثاقلة.
ـ ولكنني لم أمت بمفردي، لقد تأكدت من موتك تماما قبل أن انهي حياتي. كانت رغبتك في أن تموت قبلي ممزقا كفريسة ، لا يجب عليك أن تنكر، كنت سعيدا بموتك ولم تحاول أن تردّد جملة أخرى سوى: إيمّا، الحياة ليست سوى حدائق معطوبة، معطوبة يا إيمّا .
حاولتُ كثيرا أن أحثك على أن تقول شيئا آخر، ولكنك كنت تردّد بلا توقّف : حدائق معطوبة يا إيمّا .
ـ كم مضى من الوقت على موتنا ؟

ـ أنها سنوات، لم أعد أشعر برغبة في إحصائها ولكنني أعرف الآن أنّه في ذات اليوم الذي قلت فيه: لماذا يجب علينا أن نعيش أكثر بكثير من حاجتنا إلى الحياة ؟
ـ أنت جادة مثل رصاصة
من مسافة نصف متر
يا إيمّا














4 ـ فبراير 2006






درّاجــــة

1



خارجًا.. في الحديقة كان يربطها من مقودها الذي يشبه قرن ثور خرج للتوّ من قيثارهِ العتيد, وبِوَرع يشبه رجلا يستعيد رائحة فقدها مع خاتم سقط ذات مرة من إصبعه في البئر .
كان يتطلّع إلى مقعدها الجلدي المعقوف وحافاته التي بدأت تتهرأ ... إنها تقف هناك , تتوحّد في صمتها, وكلّما لمس قرنها القيثاري سمع صوت نحيب قديم, وإذا أراد أن يضع حملا على مقعدها الخلفي تهجس روحه أنينا خافتا ... فيجفل
2


بمحاذاة رصيف مرتفع كان يسلك بدراجته الطريق, حين تنبّه فجأة إلى أن جسدها صار أكثر امتشاقا وسرّية من جسد امرأة فرغت للتوّ من رشّ آخر طاسة ماء خلف زوجها الذي غاب منذ سنتين في البعيد .
ارتعد ... توقّف بغتة , ومن قرنها القيثاري صعد بها الرصيف إلى شارع جانبيّ .. وصار يصغي إلى صمتها .


3


في المساء حينما تفرّقت العائلة إلى أسرّتها وغرفها , قادها إلى الداخل وأخذ يرمقها بوجل, ملس بيد مرتجفة على بدنها الممشوق, على دولابيها المحزّزين , على قرنها وجرسها الذي لم ينقطع عن رنينه منذ أزل بعيد .
وحين بدأ يستشعر الحرارة تدبّ في يده.. أرتجف مرّة أخرى وتذكّر حشدا كبيرا من نساء غامضات, يرفعن طاسات الغيب ويقذفنها خلف أزواجهن, الذين لم يكفّوا بعد عن غيابهم ..

4


في اليوم التالي قرّر أن لا يحمّلها أثقالا إضافية, وأن يتخفّف بدوره من كل شيء عدا ما يلبسه في العادة .
ومع كل ذلك صار يهجس أنينها بقلبه ...ولطالما حاول قرنها القيثاري أن ينحرف به حيث يسيل نهر جارف من السيارات المسرعة, فتدوّي الأبواق منذرة بالخطر, فيحملها من جسدها بحياء وكأنه يعتذر إليها .. فيتوثّب قرنها بحركة مباغتة .
أطرق مليّا .. ثمّ رفع رأسه وفكّر: ( سوى طاسات الغيب ثمّة روح امرأة تمارس حلولها العنيد في دراجته) .....


5
من وحدته الحادة كسكين تطلّع طيلة الليل إلى القرنين القيثاريين و هما ينسدلان على هيئة خصل من شعر فاحم .. إلى الجسد وهو يغادر نفسه باتجاه الأنثى التي تكمن فيه .. إلى الدولابين المحزّزين وهما يلامسان الأرض كقدمين خفيفتين، كان ساكنا مثل خاتم في مغارة قديمة ...
ثانية تطلّع إلى امرأته وهي ترفع خصلاتها الطويلة الفاحمة وتقف بموازاة الحائط بجسدها المشدود وهتافها الباطني الغامض .


6


مذهولة تفرّست فيه وهو يقرفص في زاوية معتمة , ثمّ جالت ببصرها سريعا في البيت .. في سقفه المرتفع , وجدرانه الجصّية , في لوحة غرافيكيّة لـ "فائق حسين" وعذابات شخوصه ...ثمّ فكّرت بالشبه الخارق بين الرجل الذي يرمقها ساكنا من وحدته وبين أحد شخوص "فائق", و بحركة عصبيّة هذه المرّة رفعت آخر خصلة شعر عن وجهها.
7
بعد يومين تذكّر انّه فاجأها بنسيانه .
أنّه قال لها وهو يئنّ مثل قدح أفرغ مئات المرات من مائه : يا مائي ويا قدحي
تذكّر أنّه قال لها وهي تغادره إلى الخارج : أعبري إليّ ولو بمحض غيابك
تذكّر وهي تذوب في البعيد أنّه رفع بيديه طاسة خلاص مليئة بالماء ورمى بها خلف غيابها.


انتحار رجل لا يكره سبينوزا

رأيته قبل ثلاثة أيام من انتحاره قرب دائرة البريد. بدا لي ساهما ومشتّتا وهو يتطلّع إلى الفراغ ..
كان يريد أن يتحدث عن أمه عازفة البيانو وسليلة إحدى الأسر الكبيرة، تركته يفعل ذلك بحماسة غريبة. كان يحرّك يديه بإيماءات واسعة وكأنه في محاولة شاقة للقبض على ما بقي منها في ذاكرته.
أخبرني برغبته أن نقطع شارع ( هيرين سترات ) الطويل والمديد،
قلت له سنحتاج إلى أكثر من ساعة فهل أنت متأكد من أنك قادر على المشي طيلة هذا الوقت ؟
قال: بالتأكيد وهي رغبتي.
في شارع هيرين سترات أباح لي برغبته في أن يمنحني (آلة سيكسفون ) تعود إلى جدّه، حدستُ أنني يجب أن أقبلها، وأخبرني أيضا أنه لم يكن يحب سبينوزا قبل هذا اليوم, وكنا قد بلغنا البيت الذي عاش فيه سبينوزا طيلة تأليفه كتاب الأخلاق وقبل انتقاله إلى لاهاي وموته المبكر.
قال وهو يرمق نحتا نصفيا: أحبتْ أمي سبينوزا منذ صغرها لأنه كان يمسك معولا ويهشّم ثوابتها هي لا ثوابت عصره ، فتحولت بفضله من كاثوليكية متشددة ، إلى عدمية تجيد البصاق على أقدام العجائز قبل دخولهم الكنيسة في أيام الآحاد، وصارت تعزف في شارع ( نورت اينده ) لتعود آخر النهار بحمل ثقيل من النقود المعدنية .
أما أنا فكرهت سبينوزا لأن والدي خيّرها بين أن تكفّ عن مناداته بـ (سبينوزا ) أو أن يهجرها، فلم تلتفت ناحيته أبدا وهي تقول له ببطء وكأنها تمضغ الحروف قبل إن تطلقها: أهجرني يا سبينوزا .
ومنذ ذلك اليوم لم أرَ أبي إلا في جنازتها وقدّاسها.
ثم قالت لي بعد أن هجرها أبي بشهرين إن كنت أحب أن تناديني سبينوزا .
أجبتها على الفور: لا
فقالت: ولكنني أريد ذلك يا سبينوزا
ومنذ ذلك اليوم لم تعد تناديني رونالد.
قطعنا الشارع حتى بلغنا ( رمبرانت بلاين) وقال: كانت أمي تعتقد أن لوحة درس التشريح التي رسمها "رمبرانت" كانت في الأصل بطلب من جدي ، وكانت تقول: هل رأيت يا سبينوزا إلى البهاء الذي يفيض من وجه الميّت ؟ أنه ليس أقلّ مهابة من الأحياء الذين يحيطون بجسده الممزّق .
ثم التفت إليّ على عجل ليقول: لم يكن الميت هو جدّي.
كان ينزف ذاكرته وكأنه يريد أن يتخلّص منها.
في طريق العودة قال: بعد دقائق سينتصف النهار على الساحل الغربي من الولايات المتحدة.
كانت ساعته تقلّ بنحو ست ساعات عن توقيتنا ، ولم اسأله من قبل عن السبب ، ولكنه كان مستعدا هذا المساء أن يبوح بأكثر مما انتظرت.
(كانت رائعة وهي تعترض طريق الباص بصراخها وضحكها الصاخب ، حتى إنّ السائق ليجد صعوبة في التوقف حين تباغته وتقفز من خلف شجرة إلى منتصف الشارع وتعترض طريقه رغم معرفته تماما بالوقت والمكان الذي قد تبزغ منه.
لم تكن تهبط من الباص إلا بعد أن تنتهي من قراءة قصيدة "أربعاء الرماد" لأليوت، وعندما تهمّ بالنزول، ترفع يدي وتقول :
أنها إكراما لهذا الرجل، وأرجوكم أن تستعدّوا في الغد لسماع "نور في آب" لأن رجلي هذا لا يستحق أقل من فوكنر، اقسم لكم إنه هولندي، إلا تصدّقون . حدّثهم يا رونالد بالهولندية ليصابوا بالصداع ودوار السفر)
كانت تفعل ذلك كل يوم تقريبا، وفي أحدى المرات تغيّر السائق، وكانت هيلينا قد انتهت من خطة محكمة لمباغتة الباص، وبمجرد أن اقترب خرجت راكضة من خلف تل صغير من ورق الجرائد وباغتته ..
لم يجد السائق الجديد وقتا لتفادي جسدها الذي قذفته الصدمة بعيدا، حتى خُيّـل إلي أنه سوف لن يلامس الأرض أبدا.
كانت رائعة، لقد قضت الليلة السابقة في مراجعة فوكنر حتى قبل موعد الباص بنصف ساعة .
أرادت أن تقول لي أحبك بطريقة لم يفعلها أحد من قبل...
وصلنا إلى البيت، صافحني بحرارة وهو يقول لي: أنها معجزة أن استمرّ حيّا طيلة هذا الوقت، و أردف سريعا:
لا أحد يمكنه مباغتة الباصات في هولندا، أليس كذلك ؟
اتصلت بأخته بعد وصولي وقلت لها أظن إن رونالد ليس على ما يرام .
قالت: لا عليك, أنها ليست المرة الأولى، بعد ثلاثة أيام سيخرج مبتسما من وحدته.
وبعد أيام تلقيت خبر انتحاره،
كان قد مضى عليه ثلاثة أيام.

سبعة عشر سببا لواقعة سقوط بيت (السيدة نيلمان)

1ـ كان ذلك بسبب شجيرة توتياء تتوحّد في زاوية بعيدة.
2ـ يبدو عليه وكأنه يحصي أشجاره ويتتبّع علل النبات ومسالكه.
3ـ لم يعرف كيف تمكّنت التوتياءة من القفز بساقها الوحيدة إلى تلك الزاوية.
4ـ أراد أن يهتف بها ، فسقطت درفة بابه الخارجي .
5ـ وعندما حدّق بغضب ، فقد نافذتين.
6ـ بعد أيام بدأت سلالمه تمارس ألعابا غامضة ، كانت تتسلّق على بعضها وتغادر نفسها لتنتشر في غرفه المظلمة وممراته.
7ـ ذات يوم أحصت السلالم نفسها بصوت أجش من فرط الأقدام التي تعاقبت عليها ، فألتفت البيت ناحية الصوت فزعا ، وأنكسر عنق مدفأته .
8ـ صنعت السلالم أنفاقا وصارت تتجوّل عميقا في غيابه.
9ـ أبوابه ذاتها تخلّصت من المفاتيح بعد أن أدّعت أنها تفقأ عين الأقفال بلا رحمة.
10 ـ وهكذا غادرت درفاتها وصارت تتنزّه في الحديقة بلا ذاكرة .
11ـ جداران في الصالة تحدّثا بجديّة بالغة عن فوائد الاستلقاء بعد أجيال من الوقوف.
12 ـ سمعهما السقف ، ولم يحتج إلى وقت طويل ليفعل العكس.
13ـ شعر بقبيلة من الغرباء تدبّ في أحشائه، وتتخلّص من ذكرياته واحدة بعد أخرى، تتعقّب جميع الوجوه التي مرّت عليه وتمحوها بلا رأفة ولا شفقة.
14ـ تركت بدنه ممزقا، وروحه مفترسة.
15ـ دخلت الأبواب في نسيانها ، وسقط السلّم على نفسه
16ـ أراد أن يتنفّس، فتبدّدت الأرائك والأسرّة، وتبادلت الخزانات مواقعها وعبرت الطاولة نحو غيابها.
17ـ زفر هواءً غليظا، ثمّ تمدّد ،تمدّد هادئا حتى لامس التوتياءةالتي مازالت تتوحّد في زاويتها.

جريمة كاملة

السائق، الذي بدا وكأنه لم يمضغ لبانا من قبل، مازال يقلّبه بلسانه وكأنه يتلذّذ بتعذيبه.

باغته وخرج من زاوية فمه مضرّسا تماما ،فأخمده في فمه بسرعة، أنه يوشك على ارتكاب جريمة كاملة لا يمكن أن نستدلّ على دوافعها.
ينزلق ثانية ويتسلّل من بين القواطع ..
فيعيده بتوتّر إلى الداخل.
حركة فكّه الأسفل البطيئة دفعت اللبان إلى أضراسه الخلفية، فالتصق في سقف فمه، ربما كمحاولة أخيرة للنجاة.
تجاعيد السائق تتنفّس بحرارة، وحتى تلك التي كان يجب أن تظهر بعد سنوات، حفرت أخاديد عميقة في وجهه وجبهته..
لم ينتبه إلى أنه تجاوز موقفا إلا بعد أن بدأ الراكب يطرق على النافذة متذمرا، أوقف الباص ، أطرق لبرهة ، ثم حاول أن يبتسم وهو يقول للراكب : لم تكن غلطتك
وليست غلطتي أيضا..
وبصق اللبان.



فصّ

لاحق عقب سيجارته بإصرار
كان احمرار جذوتها يدفعه إلى مواصلة فركها بكعب حذائه.
يثني ركبته ليرتفع ساقه عاليا ثم يهوي عليها ، فعل ذلك لمرات وهو يصرّ على شفتيه ويلمّ زوايا وجهه لتتجمّع حول انفه، عيناه تتعقّبان الجمرة بدأب ، وحتى عندما بدا التبغ الناعم منتثرا حول اللفافة ، فأنه لم يكفّ عن تمزيق العقب الذي كان يبدو وكأنه بطن بُقِر مرّات لا تُحصى وحرثته الشاحنات المسرعة حتى ذاب على الإسفلت.
لم يتوقّف حتى اختفى فتاتها في شقوق القرميد الدقيقة ،
عندها فقط....
تمكّن من متابعة طريقه .

رؤيا ( Heren straat )

لا أحد سيعرف ماذا حلّ بحلمي الأخير، لأنني ربما سأموت قبل إن استيقظ من نومي..
بادرني رجل يبدو في نهاية العقد السابع بهذا الكلام بعد أن رآني أتطلّع إلى عليّة صيدلية ( هوخينس ) في شارع هيرن سترات .
أنها ليست حبكة قصصية، ولا يرتبط الأمر بكتابة نصّ أدبي جديد، بل برجل كان يحدّق بي من مقعد مجاور في شارع هيرن سترات ويحاول تبديد أوراق الأكاسيا التي تجمعت أمام مقعده الخشبي وهو يقول ببطء :
أنها ليست حقيقية، وكذلك الريح التي تدفعها باتجاه شارع ( كوك شورن ) لأنها لا تحدث إلا في حلمي ..
أنت أيضا ( قالها وهو يشير إليّ بعصاه ) لست حقيقيا إلا بالقدر الذي يمتدّ فيه زمن حلمي، بوسعك أن تغادر، لا بأس، غادر الآن إن أردت، ثم قال بلهجة آمرة : ( غادرْ )، وأردف بعد هنيهة صمت: لكنك لن تبتعد، لأنني وببساطة شديدة لم استيقظ من نومي بعد.
أنا من منحك هذا الجسد الذي يبدو أنك لم تعتد عليه، ولكن لا بأس أيضا، لأنه لن يكون جسدك خارج هذه الرؤيا، وكذلك لأنني سأمنحه إلى كائن آخر في رؤيا جديدة.
لماذا تبدو مأخوذًا على هذا النحو ؟
لا يمكنك ذلك، فأنت لست سوى عرض من أعراض حلمي وستزول بمجرد أن استيقظ، لست جوهرا لتكون واجما ومتفكّرا وكأنك ستدخل ـ تلمّسا ـ أحلامي كلّها..
أنظر إلى رقم الهاتف على واجهة الصيدلية، أنه جوهر .. الأعداد جواهر لأنها تقوم بنفسها، فالواحد جوهر مستقل بذاته ، تطلّع إلى قامته المنتصبة ولن تحتاج إلى مقولات الفيض والصدور لتدرك أن الأشياء خرجت منه في نزهة كونيّة وضلّت طريقها إليه .
جرّب أن تتّصل عليه، جرّب، أريدك أن تفعل ذلك الآن، لن يكون في الصيدلية سواي، لأن هذا الرقم سيُمعن في تحوّله في كلّ مرة تنظر إليه..
هذا هو الفرق، فأنت لست موجودا بنفسك، أنا علّة وجودك
أنت معلول ضعيف، تحتاج إلى حلمي لتشعر به.
أصدقاؤك ليسوا في حقيقة الأمر سوى أشخاص مروّا بحياتي، بعضهم مكث فيها طويلا على امتداد سنوات عمري، وبعضهم الآخر غادرها على عجل، وها أنا أستعيدهم كما أفعل دائما فيبدو الأمر وكأن ذاكرتك هي التي تفعل ذلك.
هل أخبرك بأسمائهم ؟
.. أشجارك، نساؤك، صوتك، الهواء الذي يعبرك الآن، يومياتك التي تعكف على كتابتها، فيليب، رونالد، انكريد، ضاري، قدح، كوثر، مدى، خرائطك، نباتاتك، هاتفك.
آه .... هاتفك
هل تعتقد أنه هاتفك حقّا ؟
أنه هاتفي، هاتفي أنا،
سيتّصل أحدهم الآن
هل أقول لك شيئا ؟
أنت تفكّر بنفسك، ماذا سيحلّ بك إذا لم استيقظ من نومي، ماذا سيحلّ بحلمي الأخير..
في هذه اللحظة تماما رنّ هاتفي ، التفتُ ناحية الرجل، كان ما يزال يبدّد أوراق الأكاسيا بعصاه، رفع رأسه ببطء وهو يتمتم بصوت خفيض :
أخبره أنني لم أعد حيّا .










21 أغسطس





عزلات أخرى

هذا ما حدث
هذا ما حدث بالضبط يا شيخ
هل قلت لك غير هذا ؟. هل سمعتني أقول لك أن أبي لم يغادر إلاّ بعد أن تركني في بيت الحجر مع مخطوطه اللعين ؟
كل ما أتذكره هو صورة أبي في معطفه الواسع، ينْقب جدار العليّة ويستخرج المخطوط على عجل، ويدفعه إليّ وهو يقول:
ـ انّه لأحد العارفين، الرجل الذي كان يكلّم الحجارة في وادي الأبيّض وشفاثا وجنوبا حتى رفحا، أعملْ به، وستلحق بي .
ثمّ غادر، لم أكن أبلغ الحادية عشرة أيها الشيخ، مكثت أياما أتفرّس في هوامشه التي تزحف إلى المتن بأطرافها الحادة وكأنها نصال ماضية .
لم أرَ أبي منذ أن دفع إليّ مخطوطه ولم يسمع به أحد، هل أصفه لك، لعلّك تكون قد رأيته في إحدى سياحاتك ؟. إنه نحيل ، بعينين لامعتين وشعر أشعث، يترك خرائط غامضة وأوفاق ومثلّثات طيعيّة في كلّ مكان يأوي إليه ، إنّه بسيط كالصيف، كالصيف تماما يا شيخ . ترك مخطوطه بيدي وغادر.
في السنة الأولى بكيت كثيرا، وبحثت عنه شرقا حتى كهوف الطار وغربا حتى السماوة ولينا ولوقا، وسمعت من البدو عن رجل أشعث بمعطف جلديّ واسع يحرس قصرًا مهجورًا لا يعبر إلى عزلته أحد.
هل سمعت عنه أيها الشيخ ؟
كان أبي، ذهبت إلى حيث وصفوا المكان ولم أجده، ولم يكن القصر في موضعه أيضا، لقد نقله معه إلى مكان آخر.
عملت بالمخطوطة، حرّكت أعدادها ومثلثاتها ونسبتُ الأشياء إلى أسمائها حتى طعنت في السنّ ولم يظهر أبي ..
.. لم أرَ امرأة في حياتي، يقولون أنّ النساء أرواح خفيفة، تعبر دون أن نشعر بها مثل مثلّثات مخطوط أبي، أليس كذلك ؟
ومرّ بي رجل أبيض كلبان الذكر وحدّثني عن النهر، قال إنّه يمتدّ كالألف ويلتفّ كالهاء ، ويتّسع كالكاف .
لم أعرف في حياتي كتابا غير مخطوط أبي، ولم أنسبْ مثلّثا إلى عدده وأفرك غياباته بالندّ والكندر والميعة السائلة حتى يبزغ، إلاّ في مخطوط أبي.
ولكن هل النساء أرواح خفيفة ؟ قرأت في مخطوطي، إن من انكسر قدحه مات ما فيه، ولقد انكسر قدحي مرّات كثيرة، فهل ماتت جميع نسائي في بدني أيّها الشيخ ؟. هل هناك حياة أخرى خارج مثلثاتي وأعدادها ؟
إذا رأيت رجلا أشعث، فزعا، بمعطف جلديّ واسع، يترك خلفه خرائط و أوفاق غامضة، فأقتله...
إنه أبي.



ميرا ميرا

(حتى لا يموت خضير النزيل في مكيدة هندية)


ـ إذا تعلمتك الميرا ميرا، عندها فقط ستدرك أنك لم تكن حيّا.
ـ لم أسمع بها من قبل.
ـ لا بأس، لأنها ليست محض رقصة أو عروج يمكن تعلّمه، بل هي كائن أثيريّ يختار من يحلّ فيه بصرامة، ولن تتقنها قبل أن تحلّ فيك، تذكّر هذا.
إنها تختارك، تختار بدنك، تفركه، تمارس حلولها عميقا في أحشائك، عندها ستجد أنّك أصبحت بساقين أثيريتين، ستعانق عدمك يا صديقي.
كان يتحدّث معي وكأنه يفشي سرّا، بل حدست أنه مكلّف بإفشاء السرّ بعد أن تمّ اختياري بالفعل .
أصغِ إليّ ـ قال مواصلا كلامه وهو يرتشف شايا عشبيا لزجا ـ
ـ الميرا ميرا هي من تتعلّمك،
هذه هي المفارقة.. رقصة تختارك وتتعلّمك وتعبر قوسها الأثيري لتحلّ فيك، لا تحتاج إلى أن تتعلمها.. لا تحتاج إلى ذلك أبدا .
ـ وكيف سأعرف أنها اختارتني
ـ عندما تحلّ في بدنك، ستنهض بك وستجد أنك تحنّ إلى ملامسة الأرض بقدميك.
ـ وكم تحتاج من الوقت لتفعل بي كل هذا ؟
ـ لن يستغرق الأمر طويلا ، إنها لحظات، قد تكون منشغلا بأعداد القهوة وقبل أن تجلس إلى الطاولة تكون الميرا ميرا قد تمكّنت منك وتعلّمتك.
ـ أنها كائن إذا، رجل مثلا !
حاولت أن أقول ( رجل ) ثانية بطريقة تبدو تأكيدية وحاسمة .
ـ الميرا ميرا كلمات تامّات، كان كهنة مردوخ يكتبونها بنقيع أشجار الآلهة في إناء نذري ويسقونها ملوك الكلدان أثناء احتضارهم ليتمكّنوا من عبور برازخهم..
وفي إحدى المرات ناول كبير الكهنة النقيع الربوبي للملك بعد فوات الأوان ، فلم يكتمل موته ولا عروجه، وبقي يتقلّب بين البرازخ طويلا، ومنذ ذلك اليوم وملك الكلدان صار مزيجا من الميرا ميرا وموت غير مكتمل يبحث عن جسد يحلّ فيه ويتعلّمه حتى يعبر أقواسه ويصعد إلى برزخه الأبدي .
كان يتحدّث بين رشفات شايه اللزج، وكلّما قال ( ميرا ميرا ) قذف بيديه في الهواء وأعادهما ببطء إلى الطاولة .
لم يكن الأمر غريبا، فلقد كان الأب يوسف أمينا ولسنوات على مكتبة دير الآباء الكرمليين ، ولطالما نسخ من مخطوطاتها المدوّنة بالحرف السرياني وأحتفظ بها في بيته برصافة بغداد .
ـ أنها من الدائرة التي أعدّها العارف الربّاني ( يونس بن شمويل ) للملك ابجر الأسود ،
أردف الأب وهو مازال يلوّح بيديه وكأنه يقشّر الهواء حول وجهي ويحمل مخطوطا صغيرًا بأوراق ممهورة بعلامة الهلال، تتقاطع الدائرة في نقطة الكاف، يا إلهي كيف سالت النقطة من الألف، النقطة دم الألف. من هنا مرّت الميرا ميرا وهنا وقفت على ميتة الملك وكلّما أرادت أن تكتمل لتصعد منعها البرزخ الجسماني .
قالها بهدوء وهو يشير إلى خطوط قوسية حمراء، ثمّ تابع : ستدور طويلا حول محيط الدائرة، ولكنها لم تبتعد أكثر، عليها أن تخرج، عليها أن تخرج الآن.
اتجهتُ نحو النافذة، فتحت الستائر على سعتها ليدخل ضوء أيلول إلى الصالة، ثمّ قلت وكأنني أفشي سرّا:
أنها سيارة صفراء، صفراء قليلا ربما،
واستدركت سريعا، صفراء أو أنها تبدو صفراء، لا بأس، لن تكون صفراء أكثر مما هي عليه الآن..
كان الأب يوسف يقف على الطاولة ويتطلّع إليّ ذاهلا ، وربما ببلادة ، لم أعد أعرف حقّا،
ولكنه احتاج أخيرا إلى إن يقفز ليلمس طرف بنطالي



الجمعة، أغسطس 06، 2010

داد

كان قد مضى على سنة الطبعة وقت طويل ، في حساب تلك الأيام التي كانت تمرّ بطيئة ومتشابهة، عندما وصل إلى ( داد ) نقّاش وأقام عريشا صغيرا في الجهة المطلة على قرية ( الحلاه ) من الجبل .
وفور وصوله أخذ يعدّ أنابيقه وزجاجاته وجفناته الخزفية ويملؤها بنباتات النيلنج والزعفران والعصفر والفوّة الحمراء وفحم أشجار السمر ودخانه الغليظ ثمّ يحضّر مزيجا صمغيّا من البطم أو الزاج وبعض الأعشاب التي يجمعها من الجبل. وكان كلما انتهى من صناعة لون، يغمس أصابعه فيه ويتمتم بصوته الخفيض والحاد ويرسم أوفاقا على ورقات السدر ويحّرك المزيج حتى يشتدّ .

ثمّ يهبط إلى القرية ويأخذ الصوف المنسوج ويعود به إليهم بعد أيام منقوشا برسمات تجعلهم مشدوهين من فرط إتقانها .

كان يرسم إبلهم ووعولهم الجبلية وبيوتهم وأفلاجهم وأوديتهم ومسالك الجبال التي تحيط قريتهم، وما كان يقبل بأي ثمن لعمله، وكل ما كان يطلبه هو أن تبقى منسوجاتهم في الحلاه ولا تخرج منها لأي سبب .



بعد سنتين على وصوله أخذ يرسم الناس بعد أن يمنحهم ( روبيّات ) حتى لا يواصلوا التلفّت أو مضغ أوراق شجيرات الغوبان واللحلح وأحيانا مطاردة الكلاب الضالة أو التجمّع حول سلحفاة قادها مصيرها إلى أن توقد النار تحت ترسها حتى تتحوّل إلى قبضة من الزيت المترسّب الذي ينفع لعلاج المفلوجين وأوجاع المفاصل وعرق النسا .



بدأ بأخوين ورسمهما في هيئة واحدة تماما على غير حقيقتهما، فالأول كان طفلا في الرابعة أما الآخر فتجاوز العاشرة من عمره. ولكن نقّاش جبل داد عطّل الزمن، فجعل رأس الطفل يصغر وأكتافه تتّسع وبطنه يضمر ووجهه يمتدّ ماعدا جبهته التي ضاقت قليلا وصارت بمستوى شعر الناصية.



لقد فاضت الصورة عليهما، وأخذت تواصل حلولها في الطفلين، فصار لهما نفس الهيئة والقوام والملامح في الواقع أيضا، وكلّما أمعنت في حلولها زاد الشبه والتطابق بينهما.

وبعد أربعين يوما لم يعد أبواهما يتمكنان من التفريق بينهما، بل وأكثر من هذا كله، اشتركا في اسم واحد وذاكرة واحدة.



ثم عكف النقّاش يبدّد مدّخراته من الروبيات الهندية من أجل تثبيت سكان القرية إلى كرسيّه ورسمهم بأصابع الرب داد كما كان يردّد على الجميع، وبعد أن انتهى من الناس، بدأ برسم بيوت الحلاه وطرقها وأشجارها وحيواناتها ..

مكث النقاش في داد أربع سنوات قبل أن يختفي تماما، ولكنه اختفى بعد أن تمكّن أخيرا من خلق قبيلة كاملة من الكائنات المتماثلة .















---------



هوامش



سنة الطبعة : رياح وعواصف عاتية في الخليج ، وربما كانت إعصارا أو زلزالا بحريا كما بدأ البعض بترجيح هذه الفرضية خلال الفترة التي أعقبت ( توسنامي).

ولكن تضرّر المناطق الداخلية من المدن وخصوصا القطيف ، يجعل الأمر محصورا بين العواصف والإعصار .

حدثت سنة الطبعة على أرجح الأقوال في عام 1344 هـ ، في نهاية موسم الغوص (القفال).

كانت نتائجها مدمرة على نحو كبير وعلى صعد مختلفة، مما جعل الذاكرة الجمعية تعيد إنتاجه في أمثالها الدارجة وكناياتها على امتداد الخليج العربي.



داد : جبل أو سلسلة جبال ( في إمارة الفجيرة بدولة الأمارات العربية ) ، يُطلق عليها سلسلة جبال الحجر الشمالي ، والحجر مفردة لها دلالة لاهوتية في الديانات السابقة على الإسلام ، فلقد كان اقيال اليمن وملوكهم يتّخذون المحاجر الدائرية أماكن إقامة لهم ومعابد لآلهتهم ، وكنت قد توسّعت كثيرا في هذه المادة التي رجّحت إنها من الأصل الثنائي المضعّف ( حجّ ) في مادة حجل ونشرتها في قسم اللغة بمعرّفي سلوان .

ومازال داد الجبل ( الذي أعكف حاليا على وضع بحث يتناوله ) يحتفظ بقداسة بين سكان القرى التي تقيم في مجاله . وافترض أن التسمية جاءت من مفردة ( أدد ) الأكدية والتي تعود إلى أله العواصف والرياح ، والمفردة في سياقها المعاصر تعرّضت لما يعرف بالإقلاب المكاني أو الموضعي . أي أن : ادد = داد

ومعروف تماما أن أدد هو أحد أسلاف العرب كما يرد عند النسّابة ،

أما تسمية الأماكن بأسماء الآلهة فهو أمر شائع ومعروف على نحو واسع كما في ( تاروت ) التي يرجّح الآثاريون أن أصلها عشتاروت ، وكذلك جبل ودّ الذي يعود إلى أله القمر المعينيين في سلسلة جبال عسير.



الحلاه : بهاء السكت ، قرية تنزل فيها ثلاث قبائل ( الزيود ، اليمامحة ، الصريدات ) ، تقع في مجال الجبل ، وكنت قد زرتها وزرت الجبل في بحث ميداني قبل نحو شهر



في المدينة ومخلوقاتها

منذ الأمس وأنا أناور الحمّى بإخوان الصفا، لم يتحدّثوا عن عمودية الوجود ولا روح الجمادات ونفوس الأجرام والحصى ، بل عن (القفّاصين) : صانعوا الأقفاص، ثم راجعت القائمة التي أعدوها عن الحرف والصناعات، ولم أجد ( الطيوري ) بائع الطيور، بل أنّ من ذكره كان الدينوري، الرجل الذي لم يتحدث عن صانع الأقفاص أبدًا، وكأنه أراد أن يسخر من أخوان الصفا ويطلق الطيور بعيدا.
حُكي عن رجلٍ يعمل طيوريا قرب مقام الغائب على نهر "الرشتية" أنه أنصت لغريب من الجنوب وهو يتحدّث عن طيور قزحية تتكلّم بثلاث ألسنة وأنّ في عظامها وريش قوادمها خواص خارقة إذا أحرقت مع الكندر ولبان الذكر في بخورات الاثنين .
وهكذا أتفق مع قفّاص أعمى من أجل صناعة قفص يسع طيور البرهان في أهوار الناصرية وميسان كلها، ثم استأجر سنابيك كثيرة وهبط بها مع مجرى الفرات إلى الأهوار وصار يعدّ الكمائن والفخاخ لفرائسه .
وبعد شهر بعث إلى القفّاص رسالة يطلب إليه أن يجعل قفصه يتسع لحمل عشرة سنابيك كبيرة من البرهان، وبعدها بمدة تضاعف العدد، وكلّما زاد، أتسّع القفص وصار يمرّ بأزقة المدينة وشوارعها وأنهارها وبساتينها، وصعد به حتى أرتفع على منائرها الذهبية وصار يُرى على بعد مسيرة يومين.
بدأت السنابيك تصل المدينة محمّلة بطيور البرهان القزحية، وفتح الناس العنابر لتنتشر في فضاء القفص .
اختلطت الطيور بالناس حتى صاروا يتعثّرون بها ، وتخفي ظلالها المديدة صغارهم في الأسواق والساحات الفسيحة، ثم دخلت البيوت وصارت تجد في الأرائك والأسرّة لذة كبيرة مما جعلها تضع بيضا أكثر من المعتاد وتتضاعف أعدادها مرات كثيرة .
وكثرت حالات عسر الطلق والتفريق وإرسال الهاتف وأقران الجن، ونسب الناس هذه الأعمال للخواص العجيبة في ريش البرهان وعظامه .
وبعد نحو عامين باع الطيوري آخر ممتلكاته ليوفّر لمخلوقاته وجبة أخيرة .فقرّر كليدار الحضرة في اجتماع دُعي إليه وجهاء المدينة بحلّ العقد بينهم وبين الطيوريّ مادام لا يقدر على إطعامها والعناية بها .
.. أخذ الناس يطاردون البراهين من شارع إلى آخر ومن أريكة إلى أخرى، ومن فرط فزعها حلّقت عاليا ، عاليًا ، حتى بلغت سقف القفص ، وأخذ خفق أجنحتها يقشّر جلد الفراغ إلى أخاديد عميقة ، فسال الهواء بشدة فيها، حل ظلام ليّن ، وشعر الناس إنهم يتجولون في جبال من اللحم النيئ، تراكمت أسراب أخرى من البرهان ، وتواتر الخفق حتى أخذ هيئة جناح عملاق جعل المدينة ترتفع عن الأرض مع كلّ أخدود يحفر الفراغ ويجعل الهواء يسيل عنيفا في مسالكه .



ارتفعت بعيدًا بقبابها الذهبية وقبور أوليائها ومتصوفتها، بأنهارها وحصونها المهجورة، بقناطرها وسورها القاجاري الذي تحدّث عنه ابن بطوطة ، بساعاتها وعرباتها ونصبها الضخمة وآلات فلكييها الصدئة، عاليا ارتفعت وابتعدت في الجهات كلها.
ومنذ ذلك اليوم اختفت المدينة ولم يعد الناس في المناطق المجاورة يحاولون استعادة ما حدث ..
فقط اكتفوا بطرد الطيوريين والقفاصين، وأحرقوا رسائل أخوان الصفا وكتاب الدينوري في الساحات العامة وعاشوا مبتهجين بنسيانه

أرض البتولة

من خلف هذه السكينة الشاملة , السكينة التي تشبه أصابع مدربة على اللعب بالزمن والأبدية كنت أراقب صمته المبلّل بنظرات قلقة تجوب المكان.
كان يقف بشكل مباغت أحيانا, يدنو من النافذة الواسعة ويحدّق خللها إلى الامتداد الفارع لشارع (اودين كاتين) حتى يصل إلى (اودين بلان) وأحيانا أخرى يعكف على صمته وكأنه يربّي كائنات غامضة لا تُرى
كنت أحدس ريبة أمين القسم من هذا الرجل ذي المزاج الكامد. أنه يرتاب فيه بشدّة.
أشعر بجسدي يهفّ إليه , ولولا خزانات الكتب وأدراجها الواسعة لتقطّعت منازل حروفي وأعدادي وطرت باتجاهه .
ألم يكتشف وجودي بعد ؟ ..
ألم يفضحني هذا الصخب العنيف الذي ينبعث مني ؟
إنّه كائن مطرق أبدا.
أنتمي إلى جسدي وحده , أشعر بستوكهولم وكأنها غير قادرة إلا على جعلي متوحّدة ومهجوسة ببهائها الفاسد . إنها صورة للتوحّد الأعزل وحيل البنائين القدامى الذين أرادوا للغزاة أن يموتوا في متاهاتها وطرقها ومسالكها المتشابهة
وها أنا منذ سنوات لا أرمي فيها إلا لمعرفة عدمي
لم أكن أعرف أن الغائب حينما منحني خاتم دانيال منحني كذلك القدرة على النظر إلى القوة التي تكمن في الأشياء وهذه القوة هي التي جعلتني أعرف أن ( بستان ) كان يترك إناء الماء أمامه طيلة ساعات لتذوب أنفاسي فيه ..
كان يجلس في آخر صفّ ويرمقني بطريقة تجعلني أرتجف تحت عباءتي الواسعة ..
أحيانا أشعر بجسدي وكأنه يريد أن يتبدّد ويموع ويدخل الزوايا الصغيرة وشقوق القرميد .
كنت أخاطب الغائب ليرشدني إلى التخلص من مكيدة الحب التي ترسمها يد شبحية, حتى إنني كنت أفزّ من نومي وأنا اردّد اسم بستان رغم إنني لم أره ولم أسمع به بعد.
وحين أغادر في الصباح إلى مدرسة السلطانية كنت أقضي وقتا طويلا بتفادي مكائد السحرة وأعمالهم التي يعكفون ساعات على صنعها في أقبية شير فضة وباب الطاق.
كنت أشمّ روائح لبان ذكر وميعة سائلة وندّ وصندل واقرأ أوفاق وطلاسم تبدو وكأنها من بعض أحجار الطريق المبثوثة بإهمال , بيد إني أعرف إنها وجدت بفعل فاعل وأنني أنا المعنيّة من فوضى الأحجار والروائح هذه .
وأحيانا أخرى أبصر طريقي بمشقة من خلف النقاب الأسود الثقيل فأضطر للتوقف مرات حتى أتبيّن إنْ كان الحجر أو البيضة التي تكاد تنهرس تحت قدمي مما يجب أن أتفاداه أم لا ؟
ولكن ماذا أفعل باليد التي تبعثر أعدادي وتتركني أعدو خلفها كالأعمى الذي يدفع عن نفسه هجوم أفعى ميتة . فكلّما أوشكت أن ألمس حرفا أو صفة من صفاتي وجدتها تعدو نحو بستان وتذوب في طاسته التي أمامه .
... ها أنا الآن أعاني من هذا الجسد الذي يمارس حلوله العنيد في جسدي ومن هذا الاسم أحبه أحيانا وأتجنبه أحيانا أخرى .. كنت سلمى وهاهم الجميع ينادونني ( أزل ) لا أشعر بالغبطة منه, ولا أكرهه أيضا ولكنني أواجهه كلّما صرخ بستان في حروفي .
إنه يغادر المكتبة ولم يلتفت نحوي ,
ماذا أفعل بهذه الكائنات الغامضة التي تقودني إليه ....
.. سأخرج وسأجد ذات الشوارع أمامي، ذات الحيل القديمة وكأنها خارطة كرّرت نفسها لمئات المرات .
سأنتظر الباص رقم ثمانية عشر , وسأتذكر مثلما أفعل كلّ مرة أنّ هذا العدد يساوي حروف الحيّ , وسألمس بنصري كما يحدث دائما لأنه يذكّرني بخاتم دانيال الذي منحني إيّاه الغائب, وسأصعد وأهبط, وأصعد باصا آخر وأهبط أيضا ثمّ أصعد سلالم طويلة إلى غرفتي في الأعلى ولا أهبط إلا صباح اليوم التالي .
لا مكائد سحرة في ستوكهولم لأتفاداها, ولا لبان ذكر ولا بخورات تشبه روائحها الروائح المنبعثة من سراديب شير فضّة
أمشي باستقامة ولا أضطرّ للوقوف لأتبيّن من خلل النقاب أحجار الطريق وأحب المرور في شارع وساحة ( اودين بلن ) والوقوف أمام واجهة العطار الصيني والنظر إلى أعشابه الغريبة وزهوره العطرية
ـ ولكن هل قال شيئا عني ؟
فاجأت أمين القسم الذي لم يبدو عليه الفزع مثلما كان يعتقد في نفسه حينما توجّه هذه الغريبة سؤالها إليه :
ـ نعم .. قال أنّك القدّوسة, وأنه بستان أو سلوان, لم أعد أتذكر تماما, وقال بأنك تستجمعين بهاءك لتنقضّي عليه .
أنحرف بصرها قليلا نحو النافذة الواسعة وتمتمت قبل أن تهبط السلّم بصوتها الذي سوف لن ينساه أمين القسم لسنوات عديدة قادمة:
ـ ولكن هل قال لك أن أحدنا سيموت هذه الليلة ؟





لاهاي 2002