الجمعة، يوليو 30، 2010

قراية (1 )

الاثنين 10 أبرل (نيسان) مكتبة دار البلدية في (لاهاي)



باص (45) الذي أنتظره يومي الثلاثاء والجمعة في الجهة المطلة على غابة برنارد عندما أريد الذهاب إلى (فاسينار وليدن)، هو ذاته الذي أستقلّه يومي الاثنين والخميس لأذهب إلى لاهاي عندما أنتظره في الجهة المقابلة لمقبرة فوربورج القديمة. ولأن اليوم هو الاثنين لذا فأنا الآن أكتب من مقهى السيد بور الملحق بمكتبة دار بلدية لاهاي.
ـ أنت مرّة أخرى؟ مرّت فترة طويلة أليس كذلك؟ بادرني السيد بور وأنا أدخل ردهته.
ـ نعم، فترة طويلة، يمكنك أن تقول تسعة أسابيع. وكيف أنت؟
ـ بخير، شكرا لك. بالطبع ستغفر لي نسيان اسمك، فلا شيء يجعلني مشتّتا كتصديقي أن لكم أسماء مختلفة؟
ـ إنها مختلفة يا سيد بور، عليك أن تصدّق ذلك حتى لا أكون سببًا بتشتيتك طوال الأشهر الثلاث القادمة.
ـ سأفعل ذلك بالطبع. صمت لبرهة ثمّ استدرك على نحوٍ مباغت: يؤسفني أن أكون أول من يخبرك بوفاة الرجل الصيني الذي فقد نظارته في المرحاض قبل نهاية العام الماضي.
ـ أوووه، أشعر بالأسف نحو عائلته، ستفتقد إليه حتما.
في الحقيقة لم أكن متأكدًا من معرفتي بالصينيّ الميت ولكنني سمعت عن رجل فقد نظارته في مقهى (ستاوت) ومكث على كرسيّه رافضًا مغادرة المكان قبل أن يعثروا عليها. وأخيرًا وجدَتها النادلة في المرحاض المخصص للنساء، بعد أن سلخ نهاره هاذيًا وناشجًا على كرسيّه. باغتني السيد بور:
لم تكن للصينيّ عائلة ـ
شعرت بإحراجٍ طفيفٍ حاولت دفعه عني بسؤال السيد بور:
ـ ولكن ما اسمه؟
ـ اسمه؟ لا أظنني أعرف اسمه، إنها تتشابه كما تتشابه جمهرة المنشدين في جوق
ـ وهل ما زال (أوجن) التركي يحاول إقناعك بضرورة أن تفكّر جديا بشراء كراسٍ بمساندَ مرتفعة؟
ـ نعم، نعم. لقد كانت المرة الأخيرة قبل مجيئك بنحو ساعة. أخبرته أن المساند تجعل الزبائن يلتصقون بالكراسي، ولكنه لا يريد أن يصغي. وسكت لبرهة قبل أن يردف: ولكن هل أنت متأكد من اسمه، هل اوجن هو اسمه؟ لم أكن أعرف بذلك، هؤلاء الأتراك تتشابه أسماؤهم كثيرًا حتى أنني سمعت من صديق لي أن الأتراك يتجنّبون الإقامة في الخانات والنزل الجماعية، لأنك ما أن تنادي أحدهم حتى تتحلّق حولك قبيلة من النساء والرجال يحملون ذات الاسم.
ـ يا سيد بور تحتاج إلى ذاكرتك وحسب لنبدو مختلفين
أجابني وهو يضحك بصوتٍ أجش:
ـ ولكن هل تعتقد أن الأمر سيكون ممتعًا كما هو الآن عندما تكونون مختلفين؟ ثم تابع وهو يضيّق فتحتي عينيه ليبدو جديّا وربّما حقيقيا أكثر من أي وقت مضى: هل تعرف كم أنتم محظوظون، محظوظون تمامًا لأنكم لن تحتاجوا إلى أكثر من أن تتصالحوا مع حقيقة أنكم تحملون اسمًا واحدًا، الأمر ليس سيئًا يا صديقي كما هو الحال مع الأفارقة.
ـ الأفارقة؟ ما شأن الأفارقة بحديثنا يا سيد بور؟
ـ إنّهم بلا أسماء، بلا أسماء أبدًا






ليست هناك تعليقات: