الأحد، يوليو 25، 2010

31 ديسمبر 2005

هنا محاولة لأتعقّب هذا اليوم، الذي أريده إن يحفّكم بمباهج لا تُحصى

الساعة 6:20

أيقظني فيليب
وقبل أن أحتجّ، قال:
ـ أنه أنا.
ـ أعرف، لا بد أن تكون أنت!
ـ هل استيقظت تماما ؟
ـ ربما سأفعل ذلك أن استمرت المكالمة لدقيقة أخرى ( كنت أوحي له بحاجتي إلى النوم )
ـ لا بأس إذا، سأبقى معك لدقيقة أخرى كما تريد.
ثمّ أخذ يردّد أغنية سانتا نيكولاس ببطء .. وأردف :
هل وضعت حذاءك قرب المدفأة ؟
ـ لم تكن في أبو ظبي مدفأة يا فيليب، عندما عدت كانت درجات الحرارة مازالت مرتفعة.
ـ آووه، يا لبؤسك ( قالها بتشفّ مباغت ). وبعد هنيهة صمت، قال على نحو مفاجئ:
ـ أظنك استيقظت تماما الآن، أليس كذلك ؟
ـ إن كنت تبحث عن هذا فلقد استيقظت تماما.
ـ رائع، سأغادر الآن، أردتك أن تربح ساعتين من نهار 31ديسمبر، سأنام الآن وعند العاشرة سأتصل بك ثانية، طاب نهارك.. قال مفردة نهارك وهو يمطّها بسخرية ، جعلتني اصرخ به: فيليييييب ...
حاولت الاتصال به على امتداد ساعتين عبثا، فلقد أنجز آخر مهمة وأقفل هاتفه.



9:30



نجحت إحدى محاولاتي في الاتصال بفيليب
كانت انكريد زوجته على الهاتف .
ـ كيف كان يومك انكريد
ـ أووه أيقظني فيليب في الخامسة وقال أنه فعل ذلك لأربح ثلاث ساعات من نهار 31 ديسمبر.
ـ أيقظك أنتِ أيضا ؟
ـ بل بدأ بي، ثم بألبرت وماريا وتوم ومارخيا وديلان، وفعلت كل ما يسعني لأجعله يتأخر في إيقاظك.
ـ كنتُ قد نمت لتوّي، ولكن لا بأس فلقد وجدت ما أفعله وانتهيت من تحضير بعض الألعاب لأجعل نهار فيليب متوهّجا.
ـ لا أحد سيفلح في ذلك، لا أحد، فلقد أمضى ليلته في إعداد خطة محكمة لتفادي جميع مكائدكم.
ثم قالت وهي تضحك: هل تعلم، لقد أيقظ ألبرت بعد الخامسة بقليل، وأحتاج إلى عشر دقائق ليتأكد من أنه لم يعد قادرًا على النوم، ثم حدس أن ألبرت بطبعه الرخو والبارد خلد إلى النوم ثانية، وعندما أتصل ليتأكد وجد ماريا زوجة ألبرت تقول له :
ـ أنت رائع حقا يا فيليب، رائع تمامًا، فلقد تمكّنت أخيرًا من جعل ألبرت يقطع نومه عشر دقائق قبل أن يغطّ فيه من جديد.





10:5



رنّ الهاتف وأنا أوشك على الانتهاء من تنظيف زجاج النوافذ المطلّة على الشرفة، كان فيليب، أردت أن لا أجيب،
أردته أن يشعر إنني أهئّ له نهارًا متوهّجا وألعابا سرّية
.. أردته أن يدرك أن آخر انتصاراته كانت في الساعة 5:20
ولكن يدي تسلّلت إلى زر الإجابة، وقبل أن أشعره بوجودي، قال:
ـ هل رأيت بنفسك الآن ؟
ـ ماذا رأيت ؟
ـ لا يمكنك مقاومتي، لست أنت وحسب، بل الجميع، سيكون يومًا ممتعا ونحن نجعل ألبرت يقضي ليلته راكضا في شارع "روزن بوم لان" .
ـ ماذا فعل ألبرت الرخو والبارد ؟
ـ أووه ألبرت، لن تنجو، لن تنجو هذا المساء.
تابعت بسخرية، يبدو أنه أفلح أخيرا بتسميم يومك!
ـ لا، لم يفعل شيئا، لم يفعل.
وبعد برهة دفع إليّ كلماته وكأنه يريد أن يتخلّص منها
.. ألبرت لم يفعل أكثر مما اعتاد على فعله منذ سنوات
... لقد قتلني


10:50

وصل فيليب بغتة، حاملا معه حقيبة مليئة بالألعاب النارية، وشرع يعرضها على طاولتي كما لو أنه يستعرض غنائمه.
سأجعل ألبرت يتذّكر هذا اليوم طويلا، قال فيليب.
واخذ يردّد ألوانا من الانتقام التي سيجعل ألبرت يكابد ضروبها ونحن في السيارة.
وما أن بلغنا منزل ألبرت حتى عانقه وهو يهتف بصوت مديد: أوشكت أن تقتلني هذا الصباح، لقد عرفت كيف توقفني وكيف تجعلني أكابد كوابيس حقيقية.
كان فيليب يتحدث بحماسة بينما لم يفعل ألبرت طوال الوقت شيئا سوى مواصلة تعليق بطاقات التهنئة بدبابيس على الحائط، ثم حدّق باستقامة من خلال زجاج نظارته إلى فيليب، وقال مستغربا:
ـ لا أتذكر إنني فعلت شيئا طوال اليوم!
كانت كلمات ألبرت كافية تماما لتوتير فيليب وجعله يردّد ببلادة
أيها الرخو
أيها البارد



12:30

خرجنا إلى لاهاي وتجولنا في شارع "نورت أينده" نزولا حتى بحيرة البرلمان، وأكلنا ( الهارنك ) وهو سمك محفوظ بنقيع الخل والتوابل ويؤكل بتدليته من ذيله، ثم تطوّع ألبرت باصطحابنا إلى مقهى تعرّف عليها أخيرا، وهذا ما جعل فيليب مستفزا وهو يقول:
ـ نريد مقهى مليئة بحليقي الرؤوس وليس برجال معلّقين من ربطات العنق يا ألبرت.
في المقهى عكفنا على تقشير صمتنا، كان ألبرت يتحدّث بلا انقطاع على غير عادته. حدّثنا عن برنامج للإقامة لأربعة أيام في جزر الشمال وأنتقل سريعا ومن غير أن يمنحنا فرصة إلى الحديث عن جدوى بيوت الزجاج الدفيئة ثمّ صار يقذف بيديه ناحية فيليب وهو يتحدّث عن هواية أبيه الغامضة في اقتناء القبّعات العالية.
شعرت لوهلة أن فيليب بدأ يحدس بضرورة إيقاف ألبرت لأنه اختطف دوره، هذا تحديدا ما شعرت به، كيف يمكن لألبرت الرخو أن يمعن في تعذيب فيليب طوال 31 ديسمبر!
أخذ فيليب يعبث بساعته وهو يقول دون أن ينظر إلى ألبرت ثم بدأ يتحدّث ببطء :
ـ لم تتوقّف العواصف الثلجية منذ منتصف نوفمبر يا ألبرت، ولكن عليك أن تثبت لنا أنك كنت بمفردك تكابدها لنسمح لك بمواصلة حديثك عن قبعات أبيك العالية.
لم تكن ذات المقهى التي نسي فيها ألبرت يده معلّقة طوال الليل وهو يلوّح لابنة العشّاب الصين .ومع هذا استدرجته بصخبها، وفي الحقيقة استدرجتني أيضا إلى طاسة الصمت، كنت أتفرّس في ألبرت وهو يبدّد ريش عزلته كما لو أنه يدفع الأشياء من حوله إلى نهاياتها، كان البرد قارسًا في الخارج، والرياح تدفع الأوراق الصفراء باتجاه الرصيف الموازي لمقهى godenhooft ، انشغلت بمراقبة ورقة جوز وأنا احتسي الشاي في كوب دلفتيّ أزرق من النوع الذي شاع خلال القرن السابع عشر في أقاليم غرب هولندا ووسطها. قال فيليب وهو يشير إلى ألبرت ويحرص تماما على أن يسمعه :
ـ المجنون، أخشى أن يفكّر في ارتداء ربطة عنق، لأنني لا أقوى على مقاومة حاجتي في إضرام النار فيها.
أجبته وأنا ما أزال أفكر في ورقة الجوز :
عليه أن يفعل ذلك، وعليك أن لا تقاوم رغبتك في إحراقها.
ـ سيكون المشهد رائعا، أليس كذلك؟
ـ لن يكون أسوأ من السنة المنصرمة عندما داهمه النعاس قبل دقائق من انتصاف الليل، وأيقظته أمه برذاذ النبيذ وهي تصرخ، أتعرف، أنت لا تستحق أن تكون ابني، ثم صمتت لوهلة قبل أن تكمل..
هذا اليوم فقط.







































































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق