الجمعة، يوليو 30، 2010

قراية (5 )

الأربعاء 12 أبرل مكتبة دار البلدية



أحيانًا تأتي الأشياء بسهولة تجعلنا نتساءل إن كانت في مواجهتنا أبدا، وأننا لم نفعل في الحقيقة أكثر من استدعائها.
قرأتُ ذات مرةٍ أنّ أحدهم سأل تيشخوف، كيف يتسنّى له الكتابة بمثل هذه الطواعية والسلاسة. فقال إنّ الأمرَ يأتيه بغتة كما لو أنه يواجهه دائما وإنّ الكتابة ليست سوى طريقته الفريدة في القبض عليها وتدوينها. وأتذكر أيضًا أنه أشار إلى كأسٍ على طاولته وقال أن بوسعه الآن كتابة نصّ عن هذا الكأس باستدعاء علاقات مختلفة تدفعه إلى أن يكون كائنًا بذاته.
في الأمس تركتُ قدحين على الطاولة.
أحدهما لم أره من قبل ولا أعرف كيف وصل إلى طاولتي. بدا من الفخار المزجّج الذي كان شائعًا منذ منتصف القرن الثامن عشر في بغداد وآلوس في أعلى الفرات.
ربما وصل في شحنة حملتها سفن شركة الهند الشرقية الصاعدة مع الفرات إلى الشام وتركيا.
تزجيجه القاشاني جعله فريدًا وحيّا تمامًا.
أوراق السدر ونقش صانعه قريبا من قاعدته التي تستدقّ كلما هبطنا من حافته جعلتني أفكّر بالبُعد الطقوسي للنقوش الشجرية.
فربما تكون أوراق السدر دالة على شجرة الخلد التي ورد ذكرها في ( طه 119) واختلف أهل التأويل في تعيينها ، أو سدرة المنتهى التي ينتهي إليها علم كل عالم، بعد دقائق فكرت بما فعله الصانع ليجعل ملمس السدر لحميّا ومساميًا على النحو الذي يتركك تفكّر لفرط صرامة تنفيذه إنها ليست سوى أوراق سدر حقيقية جعلها تواصل حياتها على القاشاني بمعجزة أدركها وحده وتصرّف بثقة بالغة في قوانينها.
تركت قدح القاشاني الحيّ على الطاولة وخرجت أتفقّد الأصص الجديدة التي تركتها السيدة داوس في حديقتي.
بعد ساعة حدستُ أنني لم أكن بحاجة إلى أكثر من دقائق لأنتهي من الأصص ، وأن ما جعلني أتأخر كل هذا الوقت هو في الحقيقة خوفي الذي لم أسعَ إلى تفسيره من قدح مازال يواصل حياته على طاولتي، قدح تطلّع إليه تيشخوف ذات يوم من عام 1881 ولم يفكّر أنه وصل إلى طاولته مع سفن شركة الهند الشرقية التي صعدت إليه مع صعود الفرات.